غسّان تويني (2/1) محاولة بورتريه... رجل بأدوار كثيرة - أيمن جزيني

غسّان تويني (2/1) محاولة بورتريه... رجل بأدوار كثيرة - أيمن جزيني
الاثنين 12 يونيو, 2023

 

على امتداد سني حياته لم يكن غسان تويني شخصاً واحداً يمكن حصر أدواره. على العكس، كان شخص الأدوار الكثيرة العصيّة على الحصر. ابتكر تقليداً لـ"تنوّع المواقف والآراء والأساليب الكتابية في الجريدة الواحدة، ولم يتوقّف عن الاحتفاء بوجهات النظر المتباينة" (باتريك سيل).

نادراً ما أحبّ عبارة "الحرّية المسؤولة"، ففضّل عليها كلمة "الحرّية" من دون إضافة، وبقي خصماً عنيداً للاستبداد (علي أومليل). وهو الاستبداد الذي مرضت به معظم البلدان العربية طوال عهده في "النهار"، فدفعت الجريدة ثمن حرّيتها دماً.

في أحلك الظروف والأوقات ظلّ "المايسترو الأبرع في قيادة فريق صحافي من مواهب ونزعات وأفكار مختلفة" (رياض نجيب الريس). فـ"المتوتّر الخلّاق، على عكس النخبة المذعورة من أيّ تحوّل، والمقبل الدائم على كلّ مغاير" (غسان سلامة) ظلّ "سالكاً دروب المغامرة من دون أن يكفّ عن رصد الواقع بغضب رعد، وطمأنينة وردة" (أدونيس).

وجوه غسان تويني الصافية

زهوه، خبراته، أدواره، وتجاربه، جعلته "مزيجاً رائعاً من المكوّنات المحلية والعربية والتطلّعات الكونية". "أصعب الجراح الشخصية والوطنية" ضاعفت تعاليه على الجراح ومبادراته بحثاً عن "حلول للأزمات والمآزق" (عمرو موسى).

أمّا حين "يتسنّى وضع تاريخ (حقيقي) حديث للبنان"، فسيكون "بين قليلين" يمكن القول إنّهم صنعوا "بلداً" (عبّاس بيضون). في سنواته الأخيرة صار "حكيم لبنان الأخير في مواجهة العواصف" (الياس خوري). ومن اجتمعت في شخصيّته "كلّ ما نريده للبطل من مزايا، يصرّ على خلق البطل في سواه بمثله يطلع النهار ويبقى" (سعاد الصباح).

لكن كيف للذي قال عنه المطران جورج خضر إنّه "بيزنطي - سوري ذو إرث عربي وولاء لبناني"، ألّا يرى فيه طارق متري "رجل الهويّات المتصالحة في زمن يتهدّد اختزال الناس في هويّة واحدة، ولا يخشى على السياسة من الانحدار إلى لهو الخناقة الخطير"؟ وها هو أمين معلوف، صاحب "الهويّات القاتلة" يبصر "هموم لبنان" ومآسيه، مصبَّرة على كتفَي غسان تويني الذي "كتب من جرح، ولو أنّه كثيراً ما أخفى جراحه ليكتب" الأمل والرجاء ضدّ اليأس والخواء.

الواقع المُقلق

قلّما عاكس القدر شخصاً كما فعل مع الكبير غسان تويني الذي عقد ميثاقاً مع الحرّية والكرم، والكرم هو الحرّية وفقاً للإمام الغزالي. وهب الرجل الآخرين، صحافيين وسياسيين ومواطنين، كلّ قدرة له على العطاء.

لكنّ السؤال العصيّ على الفهم، هو السؤال الذي تقع عليه كيفما بحثت عن الرائع غسان تويني:  كيف استطاع هذا الكبير أن يحيا بعد أحلامه ووطنه الذي أراد؟ وبعد أبنائه الثلاثة؟

من دون أن يستطيع، على ما قال في ختام "سرّ المهنة  وأسرار أخرى" التفرّغ لليل، كي يكتب النصف الآخر لألوف مقالات كتبها في "نهاره". فـ"الصحافة سرقت منّي الشيء الآخر الذي كنت أحبّ أن أعمله لو أُعطيت خمسين عاماً كتابة. أقعد أحياناً في الليل وأحلم كم كنت قادراً على كتابة روايات مثلاً (...) ناهيك بطموحي الدائم الذي فات زمانه إلى كتاب يجمع عصارة تأمّلات فكرية لا علاقة لها بالسياسة ولا بالوطن ولا بالصحافة، فقط بالإنسان في الإنسان". لكنّ "الخفر" الذي قال إنّه "مفروض" عليه "بالطبيعة"، هو الذي جعله يأنف من "التعرية الذاتية (...) على ثمانية أعمدة في كلّ صفحة يومياً". الخفر عند غسان تويني هو العطاء من دون ادّعاء، ومن دون منّةٍ أو حساب. كان أنيقاً من طراز رفيع. أمثاله صاروا قلّة في لبنان.

سيرة فجائع لم تتوقّف

ستبدأ فجائع غسان تويني مع كلّ من أحبّ. في يوم أسود أعادته وفاة والده من جامعة هارفرد الأميركية إلى بيروت وهو في سنّ الـ21. في هذا العمر أجبره موت والده على التنازل عن شغفه بالفلسفة التي كان يدرسها، متأثّراً بأستاذه شارل مالك في الجامعة الأميركية في بيروت.

أمّا في هارفرد فكان يُعدّ أطروحة دكتوراه عن عمانوئيل كانط ونظرته إلى الحرّية في فلسفة السياسة والأخلاق، مدفوعاً بإيمانه الذي جعله يسترشد بعبارة القدّيس يوحنّا الدمشقي: "إحلال القلب في العقل". لكنّه أضاف إلى هذه العبارة شيئاً من حكمة شبابه المبكر: الخروج على "الكسل والجبن" اللذين فرّ منهما طوال حياته، من دون أيّ انقياد إلى تضخيم الذات. كان كثير اللجوء إلى السخرية. السخرية عنده "حماية من السخف ومظاهره"، بعيداً من "قهقهة الشيطان"، على ما يقول في كتابه "سرّ المهنة وأسرار أخرى". كان غسان تويني ينبذ أيضاً السخرية ويخافها كخوفه من فلسفة نيتشه ومن ضحكة "مفيستو" الشيطانية في "فاوست" غوته، ومن تشاؤمية شوبنهاور.

المؤمن الذي برّر الكفر

"ثمّة صخب" في علاقته الإيمانية بالله. فالإيمان الأصليّ عنده  "يجب أن يكون (فيه) كفر يومي. فإذا لم تكفر أحياناً بالنعمة وبالله، فلا يكون لإيمانك قيمة". فجأة يقول في تأمّلاته المتأخّرة : "أؤمن بأمر... هو حضور، بل شيء من حياة الأموات معنا. أشعر بنفسي مكالماً لأناس فقدتهم . أحسّ أنّهم معي... أكاد أقول يحرسونني".

مفقودو غسان تويني أقرب إليه من حبل الوريد: أبناؤه الثلاثة. زوجته الشاعرة ناديا التي "لو كانت تقرأ الآن لقلت لها إنّ كتابي بالفرنسية "حرب من أجل الآخرين"، الذي وضعته بعد وفاتها عام 1984، (وتضمّن) عصارة آرائي ومواقفي واختباراتي في الحرب، إنّما هو الترجمة النثرية لديوانها الأخير "محفوظات عاطفية لحرب في لبنان".

موت الحلم

لكنّ أيّ ألم ذاك الذي كتمه غسان تويني على امتداد سني عمره، بعدما وقف في مكاتب "النهار" قائلاً بعدما فجّر شياطين لبنان جسد ابنه جبران إلى أشلاء يوم 12 كانون الأول عام 2005: "جبران تويني لم يمت والنهار مستمرّة"؟ قال ذلك ليذهل كلّ الحاضرين من سياسيين ومضى يبحث عن حياة جديدة كما آمن.

غسان تويني كان على مثل ومثال سيزيف، فوقف في خريف عمره إلى جانب نعش ابنه الأخير في الكنيسة، قائلاً  بإيمان عميق وصلابة صخور لبنان التي أحبّها مع الأخوين الرحباني وفيروز: "قلّ أن أُعطي لإنسان أن يقف في المكان ذاته على مدى ستّين سنة يودّع والده ثمّ ولده. أذكر عندما عاد جبران تويني (والده) من المنفى، من السفارة حيث سقط شهيداً في 11 تشرين الثاني عام 1947 وهو يلقي خطبة في الدفاع عن وحدة فلسطين وعروبتها وانتساب لبنان الى القضية العربية، كأنّه يحمّلني تلك الرسالة (… التي) نشّأتُ ولدي جبران (عليها)،  وهو ردّد صداها بالقسم الذي صار شعاراً لجيل من الشباب".

الألم الذي عصف بنا جميعاً وكان غيضاً من فيض ما يعتصر الرجل، لحظة خاطب صديقه المطران جورج خضر وإلى جانبه نعش جبران، مردّداً قوله في عظته الجنائزية: "موتنا قيامة. المسيح قام من بين الأموات، (وجبران) ذهب يهيّئ لنا مكاناً في وليمة العرس، فهل ألاقيه؟".

الأشدّ قسوة على حيواتنا نحن اللبنانيين هو الكلام الذي ورد على لسانه لحظة قال: "أدعو اليوم (…) لا إلى انتقام ولا إلى حقد ولا إلى دم. أدعو إلى أن ندفن مع جبران الأحقاد كلّها والكلام الخلافيّ كلّه، وأن ننادي بصوت واحد ذلك القسم الذي أطلقه في ساحة الشهداء، يوم انتفاضة 2005 التي ذهب ضحيّتها".

لكنّ ألم غسان تويني "الداخلي لا يوصف، وهو ملكه وحده"، بحسب من كلّفه كتابة سيرته (فارس ساسين) في أواسط التسعينيّات من القرن العشرين، ثمّ عزف عنها "متطيّراً"، منصرفاً إلى ممارسة الكرم - الحرّية بسخاء ليردّ به وعنه مصائب وغائلات الأيام. كان مُذهلاً في قدرته على الصفح. وكان أبرع في ابتكار كلّ جميل وخلّاق في عالم الصحافة.

"الناظر متأمّلاً بعمق في حياة غسان تويني وتراث أهل بيته"، على ما كتب فيكتور الكك في كتاب تكريمي له أصدرته دار سعاد الصباح، يجده محشوراً في مضيق يكتنفه بحران: "القدر ممثّلاً بجبرية المأساة اليونانية، والعقلانية الصارمة الرافضة الانصياع لعبثه"، أي عبث الأقدار. وكيف لمن اجتمعت في شخصه الجبرية والعقلانية، ألّا يتمثّل "بالسيّد المسيح، غافراً للّذين رفعوه فوق الجلجلة"؟

المُعلّم الذي نقد الصحافة ومآلاتها

في مقدّمته لكتابه الشهادة الوثائقية الموسوعية "سرّ المهنة… وأسرار أخرى" الذي أهداه إلى حفيدته نايلة تويني، التي تمثّل "الجيل الرابع" من عائلة التويني و"النهار"، تحدّث عن "ثقافة الحرف المكتوب" معتقداً أنّ "خطأ الصحافة الحديثة" هو أنّها "سرقت من القارئ النزعة الجمالية" في الكتابة. وهي نزعة "عُرف بها كتّاب صحافيون كبار" عندما كانت "الكتابة محراباً يطرح فيه المؤلّف عصارة عقله وكلّ ذاته، بكلّ حرّية". ومن أعطى لبنان وصحافته عصارة حياته طوال أكثر من ستّين سنة، يحار أيّ شعور ينتابه حين يتأمّل أفعاله وحضوره.

"ليس هو الندم لأنّني صحافي، يقول، بل القهر لأنّني لم أصبح إلا صحافياً". فهل حقّق "في النهاية طموحه"، فكتب "كتاباً فرح به وأحسّه عظيماً"، كتاباً أراحه من قهر الصحافي الذي فيه، وخلّصه ممّا قال إنّه "عداء أساسي بين الكتابة للأجيال الآتية، والكتابة الصحافية"؟

الأرجح أنّ طموح صاحب "حرب من أجل الآخرين" و"قرن من أجل لا شيء" و"سرّ المهنة…"، وصانع أجيال من الكتّاب والصحافيين، هو الذي لا يهدأ، وأبقى ذاته توّاقةً إلى الكتابة. وحده التواضع على الأرجح، ما دفعه إلى إضافة الشجاعة إلى تلك الأسباب القاهرة. إذ كيف لأحد مهندسي مسرح الحياة السياسية والثقافية في لبنان المعاصر، ولمن "يضع يده يوميّاً في عجين الأحداث" (علي أومليل)، أن يضيق عن كتابة مسرحية؟! ربّما لأنّه أمضى حياته مستعجلاً إلى أدواره على المسرح الذي، حين غادره كي يتفرّغ للتأمّل والتفكير في الحياة والكتابة والوجود، استدعاه قدره السيزيفي إلى أدوار جديدة، فكتب محمد أبي سمرا: "التاريخ يختار المؤرّخ زمناً لكتابته، كما يختار الزمن الذي يكتب فيه".

موسوعة "سرّ المهنة…" ليست أقلّ من عمل مسرحي كبير، يجمع فصولاً من تاريخ الصحافة اللبنانية والعربية وصناعتها، لتكون "النهار" مسرحاً رحباً للحرّيات السياسية والثقافية على مساحة الدول العربية.

يرفض المسرح، كما الحرّية، "سكون المتكلّم الوحيد". لذا "فضّل غسان تويني أن يفضي بأسرار صحافته، وأحياناً بعض شخصيّته (…) مكمّلاً بذلك تقليده في الحوار والجدليّة، رافضاً (…) كلّ نسق أحادي جامد، من الروتين في الحياة اليومية إلى الديكتاتورية في الحكم". ذلك أنّ "كلّ شيء عنده بداية جديدة حتى النهاية. (…) لا موت ولا صمت، بل حياة تتفجّر من كلّ شيء؟"، على ما كتب هو.

*الجزء  الأوّل من حلقتين في الذكرى الحادية عشر لرحيل غسان تويني..

*عن صفحة أساس-ميديا

مصادر المقال:

ـ كتاب "سرّ المهنة وأسرار أخرى"، دار النهار.

ـ حازم صاغية، "عن أوراق قديمة نسبياً ... عن النهار وآل التويني"، كتاب حدث ذات مرّة، دار الجديد.

ـ محمد أبي سمرا، "غسان تويني حكيم لبنان"، منشورات دار النهار.

ـ باتريك سيل، "نضال رياض الصلح من أجل استقلال لبنان"، دار النهار.

ـ "حرب من أجل الآخرين"، غسان تويني، دار النهار.

ـ مقتطفات من سيرة فارس ساسين عن غسان تويني.

ـ رثاء عبّاس بيضون، أدونيس، علي أومليل، أنسي الحاج.

ـ "استقالة إلى القارىء"، أنسي الحاج، دار الجديد.

ـ أرشيف النهار، ومنه افتتاحيات غسان تويني.