ندوة "المذكرات وتغيير السرديات: نماذج من السير الذاتية لايلي سالم، ورياض تقي الدين، وكاظم الخليل"
بيت بيروت - 21 كانون الثاني 2026
أحد قادة الرأي في لبنان القديم أخذ على عاتقه بناءَ سرديةٍ خاصة به، هو كاظم الخليل.
تميّز الرجل بذكاءٍ حاد وعلاقات سياسية مفتوحة في ظروف معينة، وقدّم نفسه صاحب اختصاصِ محاربة ما يسمّى بـ"الشهابية" لصالح "الشمعونية" في زمن المارونية السياسية.
طمح كما نطمحُ جميعاً أن يرتقي اختصاصَه إلى مستوى "السردية"، ورغم ذكائه ونجاحاته التكتيكية، فشِل في احتجاز "سرديةٍ" سياسيةٍ متكاملة خاصة به.
لقد تبيّن بعد حوالي 60 عاماً على سقوط "الشهابية"، أن سقوطَها كان نتيجة عوامل خارجية أمّنت لبعض الأطراف فرص الانقلاب عليها في الداخل.
سأحاول من موقعي الشهابي، أن أعطي لكاظم الخليل حقّه في "الجهاد الشمعوني" وأحتفظ بحقّي في سرد الأحداث التي رافقت السقوط الشهابي.
في الوقائع:
شهدت المنطقة ولبنان ما بين 1967 و1975 تطورات سياسية، عسكرية، وأمنية مترابطة حتى حدود استحالة فصل كل حدثٍ عن الآخر أو في التشبيه الحالي وكأن Domino Effect فرض حاله على الجميع.
حصل "النهج" على مقعد ماروني واحد في قضاء جبيل بسبب الصوت الشيعي.
في السردية:
يدّعي بعضَ اللبنانيون من الذين عاصروا تلك المرحلة لأنفسهم أدواراً بدّلت الأحداثَ في نظرهم. هذا صحيح جزئياً إذا تكاملت المبادرات الداخلية مع ظروفٍ مؤاتية.
لا أحد ينكر حنكة كاظم الخليل في هندسةِ "الحلف الثلاثي" الذي أطاح بـ"الشهابية" في العام 1968.
إنما الأمانة تفرضُ علينا الاعترافَ بأن سقوط "عبد الناصر" في العام 1967 كان العاملَ الأساسي في سقوط "الشهابية"؛ حنكة الخليل مع سيارة كميل شمعون واستدارة "سيدة حريصا" من جهة وسقوط عبد الناصر ومعه الشهابية من جهة أخرى أمرٌ آخرٌ.
لا أحد ينكرُ الدورَ الذي لعبه كاظم الخليل في إقناع نواب "المنطقة الشرقية" بالوجود السوري "المؤقت" إلى حين انتشاره حتى البقاع تمهيداً لانسحابه من لبنان.
إنما الأمانة تقضي بأن نقولَ أن موازينَ القوى آنذاك فرضت على نواب الشرقية وأحزابهم ما كان مستحيلاً رفضَه، أي الوصاية السورية، بسبب الانهيار الذي أصاب لبنان بعد "حربي التحرير والإلغاء".
لا شكّ أن كاظم بك أغنى الحياة السياسية بذكائه وفطنته وميله الواضح للتركيبات السياسية.
في لبنان كل طائفة تمتلكُ سرديتَها حول الحرب:
فالمسيحيون يعتبرون أن منظمة التحرير مدعومة من اليسار هزّت أركان الجمهورية وكادت أن تطيح بها، ما أجبرَهم على القتال من أجل الدفاع عن الشرعية.
أما المسلمون، فيعتبرون أن الصيغة اللبنانية أهملت حجمَهم ومكانتهم ما أجبرهم على التحالف مع منظمة التحرير للإطاحة بالجمهورية القاهرة.
شكك المسيحيون بلبنانية المسلمين كما شكك المسلمون بعروبة المسيحيين؛ هذا التقابل لم ينتج إلا حروباً ودماء، بالمقابل أتت وثيقة الوفاق الوطني لتضع حداً لهذا الخلاف بعبارة: "لبنان وطنٌ نهائي لجميع أبنائه، عربيُّ الهويةِ والانتماء".
من المبكرِ الحديث عن تاريخِ لبنانَ المعاصر، كما أنه من المبكر التوصّل إلى نهائيات سياسية حول هذه الحقبة أو تلك. ومن المؤكد أنه علينا الانتظار كثيراً حتى نبني صورةً واضحة عما جرى بين 1967 و2025.
ختاماً، حاولتُ في هذه المداخلة الصغيرة أن أحصُرَ كلامي في نطاقِ شهابيّتي، دونَ الدخولِ في خصوصيات "السردية الشيعية" التي حاول كاظم الخليل تقديمها.. ولهذا البحثِ صلة...