رسالة بابوية عامة - Fratelli tutti

رسالة بابوية عامة -  Fratelli tutti
الاثنين 5 أكتوبر, 2020

قداسة البابا فرنسيس

في الأخوّة والصداقة الاجتماعية

 

(للنص الفرنسي الرجاء الدخول الى Gallery وتحميل الملف. Pour le texte francais accéder a la Galley et télécharger le document.)

 

  1. كتب القدّيس فرنسيس الأسيزي "Fratelli tutti"[1]موجّهًا كلامه إلى جميع الإخوة والأخوات، مقترحًا عليهم أسلوب حياة فيه نكهة الإنجيل. أريد اليوم أن أسلّط الضوء على إحدى تلك النصائح التي يدعو فيها إلى حبٍّ يتخطّى حدود الجغرافيا والمكان. يعلن فيها سعادة الشخص الذي يحبّ أخاه "سواء كان بعيدًا عنه أم قريب"[2]. فقد أعرب بهذه الكلمات الوجيزة اليسيرة، عن جوهر أخوّة منفتحة، تسمح بأن نعترف بكلّ شخص ونقدّره ونحبّه متخطّين القرب الجسدي، أو مكان الميلادِ أو الإقامةِ.

 

  1. يعود مجدّدًا هذا القدّيس المعروف بالحُبِّ الأخويّ والبساطة والفرح، الذي ألهمني لكتابة الرسالة العامة كن مسبّحا، فيحفّزني على تكريس هذه الرسالة الجديدة للأخوّة والصداقة الاجتماعية. لأن القدّيس فرنسيس، الذي شعر أنه شقيق الشمس والبحر والرياح، كان يعلم أنّ اتّحاده بالذين كانوا يشاركونه بشريّته هو أعظم من ذلك. فزرع السلام في كلّ مكان وكان في مسيرته قريبًا من الفقراء، والمتروكين، والمرضى، والمهمَّشين، والأخيرين.

 

دون حدود

 

  1. هناك حدث في حياته يُظهِر لنا قلبه غير المحدود، والقادر على تخطّي المسافات التي يسبّبها المنشأ أو الجنسية أو اللون أو الدين. وهذا الحدث هو الزيارة التي قام بها في مصر إلى السلطان الملك الكامل، والتي تَطلَّبَت منه جهدًا كبيرًا بداعِ فقره، وقلّة موارده، وبُعد المسافة، واختلاف اللغة والثقافة والدين. فأظهرت هذه الرحلة، التي تمّت خلال تلك الحقبة التاريخية المتميّزة بالحروب الصليبية، عظمةَ الحبّ الذي كان يريد أن يعيشه، ويتوق إلى احتواء الجميع. فأمانته لربّه كانت تتناسب مع حبّه للإخوة والأخوات. ذهب القدّيس فرنسيس للقاء السلطان، وهو يدرك الصعوبات والأخطار، متّخذًا في قلبه نفس الموقف الذي يطلبه من تلاميذه: أي، دون إنكار هويّتهم، عند اختلاطهم "بالمسلمين أو غيرهم من غير المؤمنين [...] ألّا يتسبّبوا في خلافات أو نزاعات، بل أن يخضعوا لكلّ مخلوق بشريّ محبّةً بالله"[3]. وهذا الطلب كان استثنائيًا في سياقٍ مثل ذاك السياق. من المؤثّر أن نرى كيف أنّ القدّيس فرنسيس قد دعا، قبل ثمانمائة سنة، إلى تجنّب جميع أشكال العدوان أو الفتنة، وأيضًا إلى عيش خضوع متواضع وأخويّ، وحتى تجاه الذين لا يشاركونهم الإيمان.

 

  1. فهو لم يشنّ حربًا جدليّة ولم يفرض المذاهب، بل نقل محبّة الله. فَهِم أنّ "الله مَحبَّة، فمَن أَقامَ في المَحَبَّةِ أَقامَ في الله وأَقامَ اللهُ فيه" (1 يو 4، 16). وكان بهذه الطريقة أبًا مثمرًا، أيقظ الحلم بمجتمع أخويّ، لأن "الإنسان الذي يقبل الاقتراب من الكائنات الأخرى ضِمنَ مسيرتهم، ليس بهدف الاحتفاظ بهم في مسيرته الشخصية، إنما بغية مساعدتهم على أن يدركوا أصالتهم أكثر فأكثر، وحده يصبح حقًّا أبًا"[4]. كانت المدن، في ذاك العالم المليء بأبراج المراقبة والجدران الواقية، تعيشُ حروبًا دامية بين العائلات القويّة، بينما كانت تنمو في الوقت عينه المناطقُ البائسة في الضواحي المستبعدة. وفيها، نال فرنسيس السلام الحقيقي في داخله، وتحرّر من كلّ رغبة في الهيمنة على الآخرين، وأصبح واحدًا من الأخيرين، وسعى للعيش في وئام مع الجميع. فقد حفّزنا شخصه على كتابة هذه الصفحات.

 

  1. طالما أوليت اهتمامًا للقضايا المتعلّقة بالأخوّة والصداقة الاجتماعية. وقد أشرت إليها مرارًا وتكرارًا خلال السنوات الماضية، وفي أماكن مختلفة. وأردت أن أجمع في هذه الرسالة العامّة العديد من تلك المداخلات وأن أضعها في سياق تفكير أوسع. علاوةً على ذلك، إذا كان مصدر إلهامي في كتابة الرسالة العامة كن مسبّحا أخي برثلماوس، البطريرك الأرثوذكسي الذي دافع بقوّة عن رعاية الخلق، فالذي شجّعني بشكل خاص في كتابة هذه الرسالة، إنما هو شخص الإمام أحمد الطيب الذي التقيت به في أبو ظبي، كي نذكّر العالم أنّ الله "خَلَقَ البَشَرَ جميعًا مُتَساوِين في الحُقُوقِ والواجباتِ والكَرامةِ، ودَعاهُم للعَيْشِ كإخوةٍ فيما بَيْنَهم"[5]. لم يكن مجرّد عمل دبلوماسي بل كان عمليّة تفكير حقّقناها عبر الحوار والعمل المشترك. هذه الرسالة العامّة تجمع وتعرض القضايا الرئيسية التي طرحناها في تلك الوثيقة التي وقّعناها معًا. كما جمعتُ فيها، بلغتي الخاصّة، العديد من الرسائل والمستندات مع تأمّلات تلقّيتها من العديد من الأشخاص والمجموعات حول العالم.

 

  1. لا تهدف الصفحات التالية إلى تلخيص مبادئ المحبّة الأخويّة، بل تتوقّف عند بعدها العالميّ وانفتاحها على الجميع. أقدّم هذه الرسالة العامّة الاجتماعية مساهمةً متواضعة في التفكير من أجل أن نتمكّن، إزاء مختلف الطرق الحاليّة للقضاء على الآخرين أو لتجاهلهم، من أن نتفاعل من خلال حلم جديد من الأخوّة والصداقة الاجتماعية، لا يقتصر على الكلام. وعلى الرغم من أنني كتبت هذه الرسالة انطلاقًا من قناعاتي المسيحيّة التي تحرّكني وتغذّيني، فقد حاولت أن أكتبها بطريقة تفتح التفكير على الحوار مع جميع الأشخاص ذوي النوايا الحسنة.

 

  1. بينما كنت أكتب هذه الرسالة اندلَعَت جائحة فيروس كورونا بشكل مفاجئ وسلَّطَت الضوء على ضماناتنا الزائفة. وأظهرت بوضوح، إلى جانب الاستجابات المختلفة التي قدَّمَتها البلدان المختلفة، عدمَ القدرة على العمل معًا. فعلى الرغم من وجود ارتباطات وثيقة، كان هناك تفكّك جعل من الصعب حلّ المشكلات التي تطالنا جميعًا. إذا اعتقد أحدهم أنّ الأمر يتعلّق بتحسين ما كنّا نقوم به سابقًا وحسب، أو أنّ الرسالة الوحيدة هي واجب تحسين الأنظمة والقواعد الحالية، فإنه ينكر الحقيقة.

 

  1. آمل أن نستطيع، في هذا العصر الذي نجتازه، من خلال الاعتراف بكرامة كلّ إنسان، تجديدَ رغبة عالميّة في الأخوّة بين الجميع. بين الجميع: "هذا سرّ جميل كي نحلم ونجعل حياتنا مغامرة جميلة. لا يمكن لأحد أن يواجه الحياة بطريقة منعزلة [...]. إننا بحاجة إلى جماعة تساندنا، وتساعدنا وفيها نساعد بعضنا البعض للتطلّع إلى الأمام. كم هو مهمّ أن نحلم معًا! [...] وحدنا قد نرى السراب، الذي به نرى ما هو غير موجود؛ أنّ الأحلام نبنيها معًا"[6]. تعالوا نحلم باعتبار انتمائنا إلى إنسانيّة واحدة، وباعتبارنا عابري سبيل خُلِقنا من اللحم البشريّ نفسه، وأبناءٌ لهذه الأرض نفسها التي تأوينا جميعًا، وكلّ منّا يحمل غنى إيمانه أو قناعاته، وكلّ منّا بصوته الخاص، وجميعنا إخوة.

الفصل الأول

 

ظلال عالم مغلق

 

 

 

  1. لا أنوي إجراء تحليل شامل ولا النظر في جميع جوانب الواقع الذي نعيش فيه، إنما أقترح فقط أن نولي اهتمامًا لبعض الميول التي تحول دون تنمية الأخوّة العالميّة في عالمنا الحاليّ.

 

أحلام محطّمة

 

  1. لقد بدا العالم طيلة عقود وكأنّه استخلص درسًا من حروب وإخفاقات عديدة، وكأنه يتّجه ببطء نحو أشكال مختلفة من الإدماج. فعلى سبيل المثال، قد تقدّم الحلمُ بقارّة أوروبّية متحّدة قادرة على الاعترافِ بجذور مشتركة والامتنانِ لما فيها من تنوّع. ونذكّر أنه كان هناك اقتناع تامّ لدى "الآباء المؤسّسين للاتّحاد الأوروبي، الذين أرادوا مستقبلًا يقوم على القدرة على العمل معًا من أجل التغلّب على الانقسامات، وتعزيز السلام والتواصل بين جميع شعوب القارة"[7]. وازداد كذلك التوقُ إلى الاندماج في أمريكا اللاتينية وبدأت تتّخذ بعض الخطوات. كانت هناك أيضًا في دول ومناطق أخرى، محاولات ناجحة للتهدئة والتقارب وأخرى بدت واعدة.

 

  1. لكن التاريخ أثبت أنّ العالم يتراجع. هناك صراعاتٌ عفا عليها الزمن واعتُبرت منتهية، تشتعلُ من جديد، وقوميّات مشحونة بالانغلاق والغضب والاستياء والعدوانيّة، تنهض من رمادها. فكرة وَحدة الشعب والأمّة، محمّلة بإيديولوجيات متنوّعة، تخلقُ في العديد من البلدان، أشكالًا جديدة من الأنانية وفقدان الحسّ الاجتماعي، تحت قناع الدفاع المزعوم عن المصالح الوطنية. وهذا يذكّرنا بأنه "يجب على كّل جيل أن يتبنّى نضالات وإنجازات الأجيال الماضية، ويقودها إلى أهداف أسما. إنها المسيرة. فالخير، وكذلك الحبّ والعدالة والتضامن، لا يمكن تحقيقها مرّة واحدة بصورة نهائيّة؛ يجب أن نحقّقها كلّ يوم. لا يمكننا أن نكتفي بما تمّ تحقيقه في الماضي فنكتف الأيدي، ونستمتع به كما لو أنّ هذا الوضع يدفعنا لتجاهل حالات ظلمٍ ما زال يعاني منها العديد من إخوتنا، وتستحثّنا جميعًا"[8].

 

  1. لقد تبنّى العالمُ الاقتصادي والمالي اليوم عبارةَ "الانفتاح على العالم". وهي تشير حصريًا إلى الانفتاح على المصالح الخارجية أو إلى حرّية القوى الاقتصاديّة في الاستثمار، دون قيود أو تعقيدات، في جميع البلدان. ويستخدم الاقتصاد العالمي الصراعات المحلّية وعدم الاهتمام بالخير العام من أجل فرضِ نموذج ثقافيّ واحد. وهذه الثقافة توحّد العالم لكنها تفرق بين الناس والأمم، لأن "المجتمعَ المُتعولِمَ باستمرار يجعلُنا أكثرَ قرباً لكنه لا يجعلُنا أخوةً"[9]. فنحن نعيش الوِحدة أكثر من أيّ وقت مضى في هذا العالم الذي أصبح ككتلة واحدة والذي يعطي الأولوية للمصالح الفردية ويُضعِف البعد المجتمعي للوجود. بل تزداد الأسواق، حيث لا يقوم الناس إلّا بدور المستهلك أو المتفرج. إنّ تَقَدُّم هذه العولمة يعزّز هويّة الأقوياء الذين يحمون أنفسهم، لكنه يحاول "تسييل" هوياتِ أوهنِ المناطقِ وأفقرها، مما يجعلها أكثر ضعفًا وارتهانًا. وبهذه الطريقة تزداد السياسة ضعفًا إزاء القوى الاقتصادية العابرة للأوطان التي تطبّق مبدأ "فرّق تَسُد".

 

نهاية الوعي التاريخي

 

  1. ولهذا السبب نفسه، يتزايد أيضًا فقدان الحسّ التاريخي مما يسبّب المزيد من التفكّك. ونلاحظ اختراقًا ثقافيًّا لنوعٍ من "التفكيكية" تحاول فيه الحرّية الإنسانية بناء كلّ شيء من الصفر. لكنه يستثني الحاجة إلى الاستهلاك بلا حدود، ويعزّز كذلك العديد من أشكال الفردية الفارغة. وفي هذا النطاق أذكّر بالنصيحة التي قدّمتُها للشباب: "إذا قدّم شخص ما لهم اقتراحًا وطلب منهم تجاهل التاريخ، وعدم الاستفادة من خبرة المسنّين، واحتقار كلّ الماضي، والنظر فقط نحو المستقبل الذي يقدّمه لهم، أليس هذا طريقة سهلة لجذبهم عبر اقتراحه، حتى يفعلوا فقط ما يقوله لهم؟ هذا الشخص يريدهم فارغين مقتلعين من جذورهم، لا يثقون بأيّ شيء، كي يثقوا فقط بوعوده ويخضعوا لخططه. هكذا تعمل الأيديولوجيات المتعدّدة الألوان، التي تدمّر كلّ ما هو مختلف وبهذه الطريقة يمكنها أن تسود بدون معارضة. ولهذا يحتاجون إلى شبيبة يحتقرون التاريخ، ويرفضون الغنى الروحي والبشري الذي نقلته الأجيال، ويتجاهلون كلّ ما سبقهم"[10].

 

  1. هذه هي الأشكال الجديدة للاستعمار الثقافي. لا ننسينّ أنّ "الشعوب التي تبتعد عن تقاليدها الخاصة وتسمح بأن تمزّق أرواحها -بسبب هوسها بتقليد شعوب أخرى، أو فرض إرادتها حتى بالقوة، أو إهمالها أو إظهارها عدم مبالاة لا يغتفر- تفقد، إضافة إلى ملامحها الروحية، قوامَها الخُلُقي، وتخسر في النهاية استقلالها الإيديولوجي والاقتصادي والسياسي"[11]. فإفراغ الكلام العظيم من معناه والتلاعب به هو الوسيلة الفعّالة لإخماد الوعي التاريخيّ والتفكير النقديّ والالتزام بمسارات العدالة والتكامل. فماذا تعني اليوم بعض التعبيرات مثل الديمقراطية والحرية والعدالة والوَحدة؟ لقد تلاعبوا بها وشوّهوها في سبيل استخدامها كأدوات للهيمنة، وصارت عناوين لا مضمون لها، تُستخدم من أجل تبرير أيّ عمل كان.

 

دون مشروع مشترك

 

  1. إنّ أفضل طريقة للسيطرة والتقدّم دون حدود هي بثّ اليأس والاستمرار في إثارة عدم الثقة، حتى وإن تنكّرت بزيّ الدفاع عن قِيَم معينة. وتُستخدم اليوم الآلية السياسية، في العديد من البلدان، لإثارة الغضب والتصعيد والاستقطاب. وبطرق مختلفة، يُحرم الآخرون من حقّهم في الوجود والتفكير، ولهذا الغرض يطبّقون استراتيجية السخرية منهم، وإلقاء الشكوك حولهم، ومحاصرتهم. يرفضون ما يحملونه من حقيقة، أو قيَم، فيصبح المجتمع بهذه الطريقة أكثر فقرًا، ويؤول الأمر إلى غطرسة الأقوياء. وبالتالي، لم تعد السياسة مناقشة سليمة حول مشاريع طويلة المدى تهدف لتنمية الجميع والخير العام، إنما مجرّد وصفات تسويقية فورية تجد في تدمير الآخر العلاج الأكثر فعالية. في لعبة الاستبعاد الرخيصة هذه، يتلاعبون بالحوار بهدف إبقائه على مستوى المناقشة والمواجهة.

 

  1. كيف يمكننا، في صراع المصالح هذا الذي يضع جميعَنا ضدّ الجميع، وحيث الفوز هو مرادف للتدمير، أن نرفع رأسنا للتعرّف على قريبنا أو للوقوف إلى جانب الذين سقطوا على طول الطريق؟ فكلّ مشروع ذي أهداف عظيمة لتنمية البشرية جمعاء يبدو اليوم كأنّه هذيان. إنّ المسافات تزداد بيننا، والمسيرة الصعبة والبطيئة نحو عالم موحّد وأكثر عدالة يواجه تراجعًا جديدًا وجذريًّا.

 

  1. إنّ الاعتناء بالعالم الذي يحوطنا ويأوينا يعني الاعتناء بأنفسنا. لكننا بحاجة لأن نصبح تلك الجماعة -أي ذاك الـ "نحن"- التي تعيش في البيت المشترك. هذا الاعتناء لا يهمّ القوى الاقتصادية التي تحتاج إلى دخل سريع. وغالبًا ما يُسكِتون الأصوات التي ترتفع للدفاع عن البيئة أو يسخرون منها، فيصفون بالعقلانية تلك التي هي مصالحهم الخاصّة وحسب. في هذه الثقافة التي ننتجها، دون محتوى، وذات نزعة فورية وبدون مشروع مشترك، "من المُتَوَقَّع، إزاء استنزاف بعض الموارد، أن تنشأ تدريجيًّا حالة مؤيدة لشن حروبٍ جديدة، متخفيِّة تحت أقنعة المطالب النبيلة"[12].

 

الاستبعاد العالمي

 

  1. تبدو أجزاءٌ من الإنسانية وكأن التضحية بها متاحة وفق خيار يفضّل قطاعًا بشريًا "يستحقّ العيش" بلا حدود. في الواقع، "إنّ الأشخاص لا يُعتبرون بعد قيمةً أساسيّة ينبغي احترامها وحمايتها، لا سيما إذا كانوا فقراء أو ذوي احتياجات خاصة، إن "كنا بغير حاجة لهم الآن" –كالأطفال الذين لم يولدوا بعد– أو لا جدوى منهم –كالمسنّين. لقد أصبحنا غير مبالين تجاه أيّ شكل من أشكال الهدر، انطلاقًا من الهدر الغذائي، وهو من بين الأكثر قباحة"[13].

 

  1. إنّ الافتقار إلى الأبناء، الذي يتسبّب في شيخوخة السكّان، بالإضافة إلى ترك المسنّين في عزلة مؤلمة، هو طريقة غير مباشرة للتعبير عن أنّ كلّ شيء ينتهي بنا، وأنّ ما يهمّنا إنما هي مصالحنا الفردية وحسب. وبالتالي، "إنّ ما يُستَبعَد ليس فقط الغذاء أو ما يفيض من الخيرات، إنما -المستبعد غالبًا- هم البشر أنفسهم"[14]. لقد رأينا ما حدث لكبار السنّ في بعض أنحاء العالم بسبب فيروس كورونا. لا ينبغي أن يموتوا هكذا. ولكن في الواقع، لقد سبق أن حدث أمر مشابه بسبب موجات الحرّ وفي ظروف أخرى: فاستُبعِدوا بقسوة. لم ندرك أنّ عزل المسنّين وتركهم ليهتمّ بهم آخرون دون أن ترافقهم الأسرة مرافقة كافية وودّية، يشوّه الأسرة ويُفقِرها. ويقود، علاوةً على ذلك، إلى حرمان الشباب من تواصلهم الضروري مع جذورهم ومع حكمةٍ لا يستطيع الشباب تحقيقها بمفردهم.

 

  1. يتجلّى هذا الاستبعاد في نواح كثيرة: في هوس خفض تكاليف العمالة مثلًا، دون أن ندرك العواقب الخطيرة التي يسبّبها ذلك، لأن البطالة الناتجة عنها كأثر مباشر يوسّع حدود الفقر[15]. علاوةً على ذلك، يتّخذ الاستبعاد أشكالًا حقيرة اعتقدنا أنّ الزمن قد عفا عليها، مثل العنصرية، التي تختفي وتعاود الظهور مرارًا وتكرارًا. وتعود العبارات العنصرية فتخجلنا مجدّدًا وتُظهِر أنّ التقدّم المزعوم للمجتمع ليس حقيقيًا وغير مضمون إلى الأبد.

 

  1. هناك قواعد اقتصاديّة أثبتت فعاليّتها في عمليّة النموّ، ولكنها ليست فعّالة لتنمية بشريّة متكاملة[16]. فقد تزايد الغنى، ولكن دون مساواة، وبالتالي إنّ ما يحدث هو ولادة "أشكال جديدة من البؤس"[17]. عندما يقولون إنّ العالم الحديث قد حدّ من الفقر، إنما يقيسون بمعايير من عصور أخرى لا يمكن مقارنتها بالواقع الحاليّ. ففي عصور أخرى في الواقع، لم يكن عدم الحصول على الكهرباء، على سبيل المثال، علامة على الفقر، ولم يكن سببًا للانزعاج الشديد. يجب تحليل الفقر وفهمه دائمًا في سياق الإمكانيّات الحقيقية في زمن تاريخيّ ملموس.

 

حقوق الإنسان ليست عالميّة بشكل كاف

 

  1. نلاحظ في كثير من الأحيان أنّ حقوق الإنسان ليست في الواقع متساوية للجميع. إنّ احترام هذه الحقوق هو "شرط أساسي للتنمية الاجتماعية والاقتصادية لأيّ بلد. عندما تُحتَرم كرامة الإنسان ويعُتَرف بحقوقه وتُحفَظ، يزدهر الإبداع والبراعة وتستطيع الشخصيّة البشرية أن تحقّق مبادراتها المتعدّدة لصالح الخير العام"[18]. ولكن "إذا راقبنا بدقّة مجتمعاتنا المعاصرة، لوجدنا العديد من التناقضات التي تدفعنا إلى التساؤل عمّا إذا كانت كرامة البشر أجمعين المتساوية، التي أُعلِنَت رسميًا قبل سبعين عامًا، مُعتَرَف بها ومُحتَرَمة ومحميّة ومُعزّزة في جميع الظروف. لا تزال هناك أشكال عديدة من الظلم في العالم اليوم، تغذّيها رؤى أنثروبولوجية مختزلة ونموذجٌ اقتصاديّ قائم على الربح، لا يتردّد في استغلال الإنسان وتجاهله بل وحتى قتله. وبينما يعيش جزء من الإنسانية في ترف، يرى جزء آخر كرامته متجاهلة أو محتقرة أو مداسة، وحقوقه الأساسية متجاهلة أو منتهكة"[19]. ماذا يقول هذا عن المساواة في الحقوق القائمة على نفس الكرامة الإنسانية؟

 

  1. وبالمثل، فإنّ تنظيم المجتمعات حول العالم لا يزال بعيدًا عن أنْ يعكس بوضوح أنّ المرأة تتمتّع بنفس كرامة الرجل وحقوقه تمامًا. نؤكّد الأشياء بالكلام ولكن القرارات والواقع يسلّطان الضوء على رسالة أخرى. والحقيقة أنّ "فقرَ النساء، اللواتي يُعَانِينَ من أوضاع إقصاء وسوء معاملة وعنف، هو مضاعفٌ، لأنه غالبًا ما ينقصهنّ الإمكانات للدفاع عن حقوقهن"[20].

 

  1. ندرك أيضًا أنه، "على الرغم من تبنّي المجتمع الدولي للعديد من الاتفاقات الهادفة إلى وضع حد للعبودية بجميع أشكالها، وإطلاقها استراتيجيات عدّة لمكافحة هذه الظاهرة، ما يزال اليوم ملايين الأشخاص، من أطفال ورجال ونساء على اختلاف أعمارهم، يُحرَمون من الحرية ويُرغَمون على العيش في ظروف مشابهة للعبودية. [...] اليوم -كما الأمس- يوجد في جذور العبودية مفهوم للإنسان يقبل إمكانيةَ معاملته على أنّه غرض. [...] ويُحرم الإنسان، المخلوق على صورة الله ومثاله، من حرّيته بواسطة الخداع والإكراه الجسدي أو النفسي، ويتحوّل إلى سلعة ويصبح مجرّد ملكية لأحدهم، ويُعامَل كأداة لا كغاية". هذه الشبكات الإجرامية "تستخدم ببراعة التكنولوجيات المعلوماتية الحديثة بُغيَة استدراج أشخاص شبّان وآخرين يافعين جدًّا في أنحاء العالم كافة"[21]. ليس للشذوذ حدود عندما يُخضِع المرأة، ثم يجبرها على الإجهاض. عمل بغيض يصل إلى حدّ اختطاف الأشخاص بغرض بيع أعضائهم. إنّ كلّ هذا يحوّل الاتّجار بالأشخاص وغيره من أشكال العبودية إلى مشكلة عالمية، تتطلّب أنْ تؤخَذ على محمل الجدّ من قِبَلِ البشريّة جمعاء، "فكما أنّ المنظّمات الإجرامية تستخدم شبكات عالمية لبلوغ أهدافها، يتطلّب العمل للقضاء على هذه الظاهرة جهدًا مشتركًا وشاملًا أيضًا من قبل مختلف الجهات الفاعلة التي تكوّن المجتمع"[22].

 

صراع وخوف

 

  1. يُنظَر بطرق مختلفة إلى الحروب والتفجيرات والاضطهادات لأسباب عرقية أو دينية، والعديد من الانتهاكات ضدّ الكرامة الإنسانية، وفقًا لما إذا كانت تناسب مصالح معيّنة، وهي اقتصاديّة بشكل أساسيّ. وما هو صحيح عندما يكون مناسبًا لشخص ذي نفوذ، يصبح غير صحيح عندما لا يعود عليه بالفائدة. إنّ حالات العنف هذه قد "تزايدت بشكل مؤلم في مناطق عديدة من العالم لدرجة أنَّها اتّخذت ملامح ما يمكن تسميته حربًا عالمية ثالثة على أجزاء"[23].

 

  1. لا عجب في هذا إذا لاحظنا غياب آفاق قادرة على جمعِنا، لأن ما يتمّ تدميره في كلّ حرب هو "مشروع الأخوّة ذاته، الذي تتضمّنه رسالة الأسرة البشرية"، ولذا فإنّ "كلّ وضع يسوده التهديد يغذّي انعدام الثقة والانغلاق على الذات"[24]. وهكذا، فإنّ عالمنا يتقدّم في انقسام لا معنى له، مدّعيًا أنّه يضمن الاستقرار "على أساس أمان زائفيرتكز على عقلية الخوف وانعدام الثقة التي تؤدّي إلى إفساد العلاقات بين الشعوب ومنع أيّ حوار ممكن"[25].

 

  1. ومن المفارقات أنّ هناك مخاوف قديمة لم يتخطّاها التقدّم التكنولوجي، لا بل استطاعت أن تختبئ وتتطوّر خلف التقنيات الجديدة. فخلفَ سور المدينة القديمة، حتى في أيامنا هذه، هناك هاوية، هناك أرض المجهول، والصحراء. وما يأتي من هناك إنما هو غير موثوق به، لأنه غير معروف، وغير مألوف، ولا ينتمي إلى القرية. إنّها أرض ما هو "بربري"، والذي يجب أن نحمي أنفسنا منه بأيّ ثمن. وبالتالي، ننشئ حواجز جديدة للدفاع عن النفس، بحيث لم يعد العالم موجودًا ولم يعد هناك سوى "عالمي الشخصي"، لدرجة أنّ الكثيرين لا يُعتبرون بعدُ بشر ذوي كرامة غير قابلة للتصرّف، بل أصبحوا مجرّد "هؤلاء". وعاد ليظهر مجدّدًا الميلُ لإقامة ثقافة الجدران، ثقافة تشييد الجدران، في القلب وفي الأرض، لمنع هذا اللقاء مع الثقافات الأخرى، ومع الآخرين. إنّ كلّ مَن يشيّد جدارًا، كلّ من يبني جدارًا، سينتهي به المطاف بأن يكون عبدًا داخل الجدران التي بناها، دون آفاق. لأنه يفتقر إلى الغيريّة"[26].

 

  1. أمّا الوِحدة، وعدم الأمان والمخاوف التي يختبرها الكثير من الأشخاص الذين يشعرون أنّ النظام قد تخلّى عنهم، فتخلق أرضًا خصبة للمافيا. فهي في الواقع تفرض نفسها إذ تقدّم ذاتها على أنّها "تحمي" المنسيّين، وغالبًا عبر أنواع مختلفة من المساعدة، بينما تتابع مصالحها الإجرامية. هناك أسلوب تعامل خاصّ بالمافيا، يخلق روابط من الاعتماديّة والتبعيّة، عبر روح جماعيّة مزيّفة، يصعب للغاية التحرّر منها.

 

عولمة وتقدّم دون اتّجاه مشترك

 

  1. إننا وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، لا نتجاهل التقدّم الإيجابي الذي حدث في العلوم والتكنولوجيا والطبّ والصناعة والرفاهية، وخاصّة في البلدان المتقدّمة. "فإنَّا -مع ذلك- نُسجِّلُ أنَّ هذه القَفزات التاريخيَّةَ الكُبرى والمَحمُودةَ تَراجَعَتْ معها الأخلاقُ الضَّابِطةُ للتصرُّفاتِ الدوليَّةِ، وتَراجَعَتِ القِيَمُ الرُّوحِيَّةُ والشُّعُورُ بالمَسؤُوليَّةِ؛ ممَّا أسهَمَ في نَشْرِ شُعُورٍ عامٍّ بالإحباطِ والعُزْلَةِ واليَأْسِ، [...]. وهناك أماكنُ أُخرَى يَجرِي إعدادُها لمَزيدٍ من الانفجارِ وتكديسِ السِّلاح وجَلْبِ الذَّخائرِ، في وَضْعٍ عالَمِيٍّ تُسيطِرُ عليه الضَّبابيَّةُ وخَيْبَةُ الأملِ والخوفُ من المُستَقبَلِ، وتَتحكَّمُ فيه المَصالحُ الماديَّةُ الضيِّقة".

 

ونشير أيضًا إلى "الأزماتِ السياسيَّةَ الطاحنةَ، والظُّلمَ وافتِقادَ عَدالةِ التوزيعِ للثرواتِ الطبيعيَّة [...] وأمامَ هذه الأزمات التي تجعَلُ مَلايينَ الأطفالِ يَمُوتُونَ جُوعًا، وتَتحَوَّلُ أجسادُهم -من شِدَّةِ الفقرِ والجوعِ- إلى ما يُشبِهُ الهَيَاكِلَ العَظميَّةَ الباليةَ، يَسُودُ صمتٌ عالميٌّ غيرُ مقبولٍ"[27]. إزاء هذا المشهد، وعلى الرغم من أننا منجذبون إلى الكثير من التقدّم، إلّا أننا لا نرى مسارًا إنسانيًا حقًا.

 

  1. إنّ الشعور بالانتماء إلى الإنسانيّة نفسها يضعف في عالم اليوم، في حين أنّ حلم بناء العدل والسلام معًا يبدو كأنه يوتوبيا من عصور أخرى. ونرى هيمنة لامبالاة ملائمة وباردة وشاملة، ابنة سراب عميق يختبئ وراء خداع الوهم: وهْمُ اعتقادِنا أنه بإمكاننا أن نكون جبابرة وننسى أننا جميعًا في نفس القارب. خيبة الأمل هذه، التي تترك وراءها القيم الأخوية العظيمة، تؤدّي "إلى نوع من السخرية. هذه هي التجربة التي نواجهها، إذا اتّخذنا درب الوهم أو خيبة الأمل هذا. [...] إنّ العزلة والانغلاق على الذات أو على المصلحة الشخصية ليست هي السبيل أبدًا لإعادة الرجاء والعمل على التجديد، بل إنه التقارب، وثقافة اللقاء. لا العزلة، بل التقارب. لا ثقافة الصدام، بل ثقافة اللقاء"[28].

 

  1. في هذا العالم الذي يتقدّم مسرعًا دون مسار مشترك، نشعر بجوّ "تتّسع فيه المسافة بين هوس الرفاهية الشخصية والسعادة المشتركة للبشرية، إلى حدّ أنه يعطي الانطباع بأنّ الانقسام الحقيقي يحدث بين الفرد والمجتمع البشري. […] أن يشعر المرء بأنه مضطر للعيش مع الآخرين هو شيء، وأن يقدّر غنى وجمال بذور الحياة المشتركة التي يجب البحث عنها وتنميتها معًا هو شيء آخر"[29]. التكنولوجيا تتقدّم باستمرار، ولكن "كم سيكون جميلًا لو كان نموّ الابتكارات العلميّة والتكنولوجيّة يتوافق أيضًا مع قدر أكبر من الإنصاف والاندماج الاجتماعي! كم سيكون جميلًا لو أننا عندما نكتشف كواكب جديدة بعيدة، نعيد اكتشاف احتياجات الأخ أو الأخت القريبين!"[30].

 

الجائحات وضربات التاريخ الأخرى

 

  1. إنّ مأساة عالميّة مثل مأساة جائحة فيروس كورونا قد زادت الإدراك، لبعض الوقت، بأننا مجتمع عالميّ يركِب الزورقَ نفسه، حيث ضرر فرد واحد يصيب الجميع. نذكّر أنّ ما من أحد يَخلُص وحده، وأنه لا يمكننا أن نخلص إلّا مجتمعين. ولهذا السبب قلت إنّ "العاصفة تُسقِط القناع عن ضعفنا وتفضح الضمانات الزائفة وغير الضرورية التي بنينا عليها جداول أعمالنا ومشاريعنا وعاداتنا وأولويّاتنا [...] سقطت أيضًا مع العاصفة، خدعةُ تلك الصور النمطيّة التي تخفي وراءها الـ "أنا" الخائف باستمرار على صورته؛ وظهر مجدّدًا، هذا الانتماء المشترك (المبارك) الذي لا فِرار منه ألا وهو: الانتماء كأخوة"[31].

 

  1. كان العالم يتقدّم بشكل صارم باتّجاه اقتصادٍ يحاول تقليل "التكاليف البشرية" عبر استخدام التقدّم التكنولوجي، وحاول البعض أن يجعلنا نعتقد أنّ حرّية السوق كانت كافية لضمان كلّ شيء. لكن الضربة القاسية والمفاجئة التي حملتها هذه الجائحة الخارجة عن السيطرة، أجبرتنا على إعادة التفكير في البشر، في الجميع، أكثر منه في فائدة بعضهم. يمكننا اليوم أن ندرك أننا "غذّينا أنفسنا بأحلام المجد والعظمة، فأكلنا التشتّت والانغلاق والعزلة؛ امتلأنا بالاتّصالات، وفقدنا طعم الإخاء. سعينا لتحقيق نتائج سريعة ومضمونة، فطغى علينا التسرّع والقلق. وقعنا أسرى الافتراضية، وفقدنا طعم الواقع ونكهته"[32]. إنّ ما أيقظته الجائحة من ألم وعدم يقين وخوف وإدراك لحدود الذات، يردّد صدى الدعوة إلى إعادة التفكير في أنماط حياتنا، وعلاقاتنا، وتنظيم مجتمعاتنا، وخاصّة معنى وجودنا.

 

  1. إذا كان كلّ شيء مرتبطًا ببعضه، فمن الصعب التفكير في أنّ هذه الكارثة العالمية لا تتعلّق بطريقتنا في مواجهة الواقع، إذ ندّعي بأننا أسياد مطلقون على حياتنا الخاصّة وعلى كلّ شيء موجود. لا أقصد هنا أنه نوع من العقاب الإلهي. كما أنّه لا يكفي التأكيد على أنّ الضرر الذي يلحق بالطبيعة ينتهي به الأمر إلى محاسبتنا على انتهاكاتنا. فالواقع ذاته هو الذي يئنّ ويتمرّد. يعود إلى ذهني في هذا الصدد بيت شعر كتبه فيرجيليو يذكر فيه دموع الأشياء والتاريخ[33].

 

  1. لكننا ننسى بسرعة دروس التاريخ، "معلّم الحياة"[34]. إنّ أسوأ ردّ فعل، بعد انتهاء الأزمة الصحية، هو أن نقع في نزعة استهلاكية محمومة وفي أشكال جديدة من حماية أنانية للذات. نأمل ألّا يبقى في النهاية "الآخرون"، إنما فقط الـ "نحن". نأمل ألّا يكون هذا حدث خطير آخر من أحداث التاريخ، لم نتمكّن من أن نستخلص منه درسًا لنا. نأمل ألّا ننسى المسنّين الذين لقوا حتفهم بسبب نقص أجهزة التنفّس، نتيجة تفكيك الأنظمة الصحّية –نوعًا ما- عامًا بعد عام. نأمل ألّا يكون كلّ هذا الألم دون جدوى، وأن نقوم بقفزة نحو طريقة جديدة للحياة وأن نكتشف بشكل قاطع أننا نحتاج وندين بعضنا لبعض، بحيث تولد البشرية من جديد بكلّ الوجوه وكلّ الأيدي وكلّ الأصوات، وأبعد بكثير من الحدود التي رسمناها.

 

  1. إذا فشلنا في استعادة حماس مشترك في مجتمع يعرف الانتماء والتضامن، في مجتمع نخصّص له الوقت والجهد والخيرات، فإنّ الوهم العالميّ الذي يخدعنا سيسقط بشكل مدمّر وسيترك الكثيرين في حالة غثيان وفراغ. علاوة على ذلك، يجب ألّا نتجاهل بسذاجة أنّ "الهوس بنمطِ حياةٍ استهلاكي -خاصّة عندما يكون متاحًا فقط لعدد قليل من الأشخاص– يمكنه أن يؤجّج العنف والتدمير المتبادل"[35]. ومبدأ "خلّص نفسك" سيترجم عاجلًا إلى "الجميع ضدّ الجميع"، وسيكون ذلك أسوأ من الجائحة.

 

سقوط الكرامة الإنسانية عند الحدود

 

  1. إنّ ما تطالب به الأنظمةُ السياسية الشعبوية وكذلك المناهج الاقتصادية الليبرالية إنما هو وجوب تجنّب وصول المهاجرين بأيّ ثمن. في الوقت نفسه، يتمّ التجادل حول الحدّ من المساعدات الممنوحة للبلدان الفقيرة، حتى تصل إلى الحضيض وتقرّر اتّخاذ تدابير التقشّف. لا يدركون أنّ خلف هذه العبارات المجرّدة التي يصعب تحمّلها، هناك العديد من الأرواح التي تتمزّق. يهرب الكثيرون من الحرب والاضطهاد والكوارث الطبيعية. أمّا الآخرون، بكامل حقوقهم، "يبحثون بشكل عام، عن فرص لأنفسهم ولأسرهم. يحلمون بمستقبل أفضل ويريدون تهيئة الظروف لتحقيقه"[36].

 

  1. وآخرون، لسوء الحظ، ينجذبون إلى الثقافة الغربية، "مع تطلّعات غير واقعيّة أحيانًا تعرّضهم لخيبة أمل كبيرة. فيستغلّ المتاجرون عديمو الضمير -الذين غالبًا ما يرتبطون بعصابات المخدّرات أو الأسلحة- ضعفَ المهاجرين، الذين غالبًا ما يتعرّضون طوال رحلتهم للعنف والاتّجار بالبشر والاعتداء النفسي والجسدي والمعاناة التي لا توصف"[37]. يضطرّ المهاجرون إلى "الانفصال عن إطارهم الأصليّ، وغالبًا ما يختبرون فقدان جذورهم الثقافية والدينية. كما أنّ المجتمعات المحلّية التي تخلّفها وراءها تعاني من التجزّؤ، إذ تفقد عناصرها الأكثر نشاطا وجرأة، والأسر، خاصّة عندما يهاجر أحد الوالدَين أو كلاهما، تاركًا الأطفال في بلد المنشأ"[38]. لذلك، "يجب إعادة التأكيد أيضًا على الحقّ في عدم الهجرة، أي أن تتوفّر الشروط اللازمة كي يبقى المرء في وطنه"[39].

 

  1. علاوةً على كلّ هذا، "تتسبّب ظاهرة الهجرة في بعض البلدان المضيفة، بشعور بالخوف والقلق، وغالبًا ما يتمّ إثارته واستغلاله لأغراض سياسية. وهذا يؤدّي إلى انتشار عقليّة كراهية الأجانب، لدى أشخاص منغلقين على أنفسهم"[40]. يُعدّون المهاجرين غير مستحقّين بقدر كاف للمشاركة في الحياة الاجتماعية مثل أيّ شخص آخر، وينسون أنّ لديهم نفس الكرامة الجوهرية مثل كافة الأشخاص. لذلك، يجب أن يلعبوا "دورًا أساسيًّا في إنقاذهم الشخصي"[41]. لن يقول أحد أبدًا أنهم ليسوا بشرًا، ولكنهم يظهرون من الناحية العملية، عبر القرارات وطريقة المعاملة، أنهم يُعتَبَرون أقلّ قيمة وأقلّ أهمّية وأقلّ إنسانية. من غير المقبول أن يشارك المسيحيون هذه العقلية وهذه المواقف، مرجّحين أحيانا أفضليات سياسية معيّنة على قناعاتهم الإيمانية العميقة: الكرامة المطلقة لكلّ إنسان بِغضّ النظر عن أصله أو لونه أو دينه، والشريعة العظمى، أي شريعة المحبّة الأخوية.

 

  1. "ستشكّل الهجرات عنصرًا مؤسّسًا لمستقبل العالم"[42]. لكنها تعاني اليوم من "فقدان ذلك الإحساس بالمسؤولية الأخوية، الذي يقوم عليه كلّ المجتمع المدني"[43]. أوروبا، على سبيل المثال، هي في خطر اتّخاذ هذا الطريق. ومع ذلك، فبمساعدة "إرثها الثقافي والديني الكبير، تملك الأدوات الملائمة للدفاع عن مركزية الإنسان وإيجاد التوازن الصحيح بين الواجب الخلقي المزدوج المتمثّل باحترام حقوق مواطنيها، وضمان المساعدة والضيافة للمهاجرين"[44].

 

  1. أتفهّم أن يكون لدى بعض المهاجرين شكوكٌ وخوف. أتفهّم هذا كجزء من الغريزة الطبيعية للدفاع عن النفس. ولكن من الصحيح أيضًا أنّ الإنسان أو الشعب، لا يكون مثمرًا إلّا إذا عرف كيف يبدع في الانفتاح على الآخرين. أدعوكم إلى تجاوز ردود الفعل الأولية هذه، لأن "المشكلة هي عندما تُسَيِّر هذه الشكوك والمخاوف طريقتَنا في التفكير والتصرّف فتجعلنا غير متسامحين، ومنغلقين، وربما حتى -دون أن ندرك ذلك- عنصريين. ويحرمنا الخوفُ بهذه الطريقة من الرغبة والقدرة على لقاء الشخص الآخر"[45].

 

وهْمُ التواصل

 

  1. ومن المفارقات، أنه بينما تزداد المواقف المنغلقة والمتشدّدة التي تعزلنا عن الآخرين، تقصر المسافات أو تختفي لدرجة فقدان الحقّ في الخصوصية. فقد تحوّل كلّ شيء إلى نوع من عرضٍ يمكن رصده ومراقبته، والحياة أصبحت تحت مراقبة مستمرّة. يريدون عرض كلّ شيء من خلال التواصل الرقمي، وأصبح كلّ فرد هدفًا لنظرات فضوليّة، تعرّي وتكشف، وغالبًا ما تكون مجهولة. إنّ احترام الآخر يتلاشى، وبهذه الطريقة، في حين أُبعِده وأتجاهله وأنحيه، أستطيع، دون خجل، أن أغزو حياته إلى أقصى الحدود.

 

  1. من ناحية أخرى، لا تشكّل الحركات الرقمية الداعية للكراهية والدمار شكلًا فعليًّا من أشكال المساعدة المتبادلة -كما يدّعي البعض-، إنما هي مجرّد اتّحاد ضدّ العدو. بالأحرى، "يمكن لوسائل الإعلام الرقمية أن تعرّض الناس لخطر الإدمان والعزلة وفقدان الاتّصال تدريجيًّا مع الواقع الملموس، مما يعوق تطوير علاقات شخصيّة حقيقية."[46]. نحن بحاجة إلى حركات جسدية، وتعبيرات وجه، وصمت، ولغة جسد، وحتى إلى العطر، وارتعاش اليدين، والاحمرار، والعِرق، لأنّ كلّ هذا يعبّر ويشكّل جزءًا من التواصل البشري. فالعلاقات الرقمية، التي تعفي من تنمية الصداقة التي تتطلّب جهدًا، ومن معاملة بالمثل مستقرة، وحتى من توافق ينضج بمرور الوقت، لها مظهر اجتماعي. لكنها لا تبني حقًا الـ "نحن" إنما مِن المعتاد أن تخفي وتزيد الفرديّة التي تظهر في كراهية الأجانب واحتقار الضعفاء. التواصل الرقمي لا يكفي لبناء الجسور، وهو غير قادر على توحيد الإنسانية.

 

عدوان بلا حياء

 

  1. بينما يدافع الناس عن عزلتهم الاستهلاكية الخاصّة والمريحة، يختارون أن يكونوا مُقيَّدين باستمرار وبهوس. وهذا يساعد على ظهور أشكال غير اعتيادية من العدوانية، والإهانات، وسوء المعاملة، والإساءة، والكلام المؤذي لدرجة تشويه صورة الآخر، وبفجور ما كان ليوجد لو كان التواصل مباشر بين الأشخاص دون أن ينتهي بنا الأمر بتدمير بعضنا البعض. إنّ العدوانية الاجتماعية تجد في الأجهزة المحمولة وأجهزة الكمبيوتر مجالًا، لا مثيل له، للانتشار.

 

  1. وهذا قد سمح للأيديولوجيات بفقدان كلّ حياء. وما لم يكن ممكنًا قوله قبل بضع سنوات دون المخاطرة بفقدان احترام العالم كلّه، يمكن اليوم التعبير عنه بكلّ فظاعة، حتى من قِبَل بعض السلطات السياسية، ودون عقاب. لا يمكن تجاهل أنّ "هناك مصالح اقتصادية ضخمة تعمل في العالم الرقمي، قادرة على ممارسة أشكال من السيطرة بطريقة مخفيّة وتدميريّة، وخلق آليّات للتلاعب بالضمير وبالعملية الديمقراطية. والطريقة التي تعمل بها العديد من المنصّات غالبًا ما تتوصّل إلى جمعِ أشخاص يفكّرون بنفس الطريقة، فتعوّق المواجهة بين الاختلافات. وهذه الدوائر المغلقة تسهّل انتشار الأخبار المزوّرة والمعلومات الكاذبة، وإثارة التحيّز والكراهية"[47].

 

  1. يجب أن نعترف أنّ التعصّب الذي يؤدّي إلى تدمير الآخرين يقوم به أشخاص متديّنون أيضًا، دون استثناء المسيحيّين، الذين قد يشتركوا "في شبكات العنف الكلامي عبر الأنترنت أو مختلف مجالات نظام التبادل الرقمي. لدرجة أنه، حتى عبر وسائل الاعلام الكاثوليكيّة، يمكن تجاوز الحدود، ويُسمح بالتشهير والافتراء، كأنّه ما من وجود للأخلاق ولا لاحترام سمعة الآخرين"[48]. ما هي المساهمة التي تُقَدَّم، من ثمّ، في الأخوّة التي يقترحها علينا الآب المشترك؟

 

معلومات عديمة الحكمة

 

  1. الحكمة الحقيقية تقتضي التلاقي مع الواقع. ولكن من الممكن اليوم إنتاج كلّ شيء وإخفائه وتغييره. وهذا يجعل التلاقي المباشر مع حدود الواقع لا يطاق. ونتيجة لذلك، نشغّل آلية "الاختيار" ونقيم عادةَ الفصلِ الفوري بين ما يعجبني وما لا يعجبني، وبين الأمور الجذّابة والأمور القبيحة. وبنفس المنطق، نقوم باختيار الأشخاص الذين نقرّر أن نشاركهم العالم. وبالتالي، فإن الأشخاص أو المواقف التي تؤذي مشاعرنا أو تسبّبت في استيائنا، نتخلّص منها اليوم بكلّ بساطة في الشبكات الافتراضية، ونبني دائرة افتراضية تعزلنا عن العالم الذي نعيش فيه.

 

  1. إنّ الجلوس للاستماع إلى آخر، وهو سمة من سمات اللقاء الإنساني، هو نموذج من تصرّف شخصٍ منفتح على الترحيب، يتغلّب على النرجسية ويقبل الآخر، ويوليه اهتمامه، ويرحّب به في دائرته الخاصّة. لكن "عالم اليوم هو في الغالب عالم أصمّ. […] وتمنعنا أحيانًا سرعة العالم الحديث والجنون، من الاستماع جيّدًا لما يقوله الشخص الآخر. وعندما يكون في منتصف حواره، نقاطعه ونريد أن نردّ عليه بينما لم ينته بعد من كلامه. فَعَلينا ألّا نفقد القدرة على الاستماع". لقد سمع القدّيس فرنسيس الأسيزي "صوت الله، وسمع صوت الفقراء، وسمع صوت المرضى، وسمع صوت الطبيعة. وحوّل كل ذلك إلى نمط حياة. وأتمنّى أن ينمو ما زرعه القدّيس فرنسيس في قلوب كثيرة"[49].

 

  1. مع تلاشي الصمت والاصغاء، وتحويل كلّ شيء إلى نقرات ورسائل سريعة ومشحونة بالقلق، نعرّض للخطر الهيكل الأساسي للتواصل البشري الحكيم. نخلق نمطَ حياةٍ جديد حيث نبني ما نريد أن يكون أمامنا، ونستثني كلّ ما لا يمكن السيطرة عليه أو معرفته معرفة سطحيّة وفوريّة. هذه الديناميكيّة، بسبب منطقها الجوهري، تمنعنا من القيام بتفكير هادئ قادر على أن يقودنا إلى حكمة مشتركة.

 

  1. نستطيع أن نبحث عن الحقيقة معًا عبر الحوار أو في محادثة هادئة أو في مناقشة حماسية. إنه مسار مثابر، مصنوع أيضًا من الصمت والمعاناة، قادر على أن يجمع بصبر الخبرة الطويلة للأفراد والشعوب. فالتراكم الهائل للمعلومات التي تغمرنا لا يعني المزيد من الحكمة. والحكمة لا تُصنَع من عمليات بحث دؤوبة على الإنترنت، ولا هي عبارة عن تجميع معلومات لسنا أكيدين من صحّتها. بهذه الطريقة، لا ننضج في التلاقي مع الحقيقة. وتدور المحادثات في نهاية المطاف فقط حول أحدث البيانات، وهي أفقيّة وتراكمية وحسب. لكننا لا نوليها اهتمامًا وثيقًا ولا نخترق قلب الحياة، ولا ندرك ما هو ضروري حتى نعطي معنى للوجود. وتصبح الحرّية بالتالي وهمًا يبيعونها لنا ونخلط بينها وبين حرّية التنقّل أمام الشاشة. فالمشكلة تكمن في أنّ طريق الأخوّة، محليًا وعالميًا، لا يعبره إلّا الأرواح الحرّة والمستعدّة للقاءات حقيقية.

 

خضوعٌ وازدراءٌ للذات

 

  1. إنّ بعض الدول الناجحة اقتصاديًا تُقَدَّم على أنّها نماذج ثقافية للدول التي هي في قيد التطور، بدلاً من العمل على أن ينمو كلّ بلد بأسلوبه الخاص، ويطوّر قدراته على الابتكار انطلاقًا من قيمه الثقافية. هذا الحنين السطحي والمُحزِن، الذي يؤدّي إلى التقليد وإلى الشراء بدلًا من الابتكار، يفسح المجال لازدراء الذات على المستوى الوطني. فهناك، ضمن القطاعات الثرية في العديد من البلدان الفقيرة، ومنهم أحيانًا بلدان قد تمكّنوا من قهر الفقر، عجزٌ على قبول ميزاتهم وطرقهم الخاصّة، فيقعون في ازدراء هويّتهم الثقافية الخاصّة كما لو كانت السبب الوحيد لجميع العلل.

 

  1. إنّ تحطيم احترام الشخص لذاته هو طريقة سهلة للسيطرة عليه. وراء هذه الميول التي تسعى إلى تجانس العالم، تظهر مصالح السلطة التي تستفيد من تدنّي احترام الذات، بينما تحاول، من خلال وسائل الإعلام والشبكات، خلق ثقافة جديدة في خدمة الأقوى. والمستفيد من ذلك إنما هي انتهازية المضاربة المالية والاستغلال، حيث الخاسرون هم دومًا الفقراء. ومن ناحية أخرى، يقودُ تجاهل ثقافةَ الشعب إلى فشل العديد من القادة السياسيين في تنفيذ مشروع فعّال يمكن أن يقبله الشعب ويدعمه بحرّية بمرور الوقت.

 

  1. ننسى أنه "لا يوجد انسلاخ أسوأ من تجربة عدم امتلاك جذور، وعدم الانتماء لأحد. فالأرض تكون خصبة، والشعب يعطي ثمرًا، ويولّد غدًا، فقط بقدرِ إحيائه علاقات انتماء فيما بين أعضائه، وبقدر ما يخلق روابط إدماج بين مختلف الأجيال والجماعات التي تكوّنه؛ وأيضًا بقدر ما يكسر الدوامات التي تحجب الحواس، فتبعدنا أكثر فأكثر عن بعضنا البعض"[50].

 

رجاء

 

  1. على الرغم من هذه الظلال الكثيفة التي يجب ألّا نتجاهلها، أودّ في الصفحات التالية أن أمنح صوتًا للعديد من مسارات الرجاء. فالله -في الواقع- لا زال يصبّ بذور الخير في البشرية. لقد سمحت لنا الجائحة الأخيرة باستعادة وتقدير العديد من رفقاء ورفيقات السير الذين تفاعلوا، خوفًا، ووهبوا حياتهم. استطعنا أن نعترف بأنّ حياتنا منسوجة ومسنودة من قِبَل أشخاص عاديّين كتبوا، دون شكّ، الأحداث الحاسمة في تاريخنا المشترك: الأطبّاء، والممرّضين، والممرّضات، والصيدليّين، والعاملين في متاجر البقالة، وعمّال النظافة، ومقدّمي الرعاية، والعاملين في مجال النقل، والرجال والنساء العاملين على توفير الخدمات الأساسية والأمن، والمتطوّعين، والكهنة، والراهبات، ... فهموا أنّه لا أحد يُخلّص نفسه بنفسه[51].

 

  1. أدعو إلى الرجاء الذي "يخبرنا عن واقع متجذّر في أعماق الإنسان، بغضّ النظر عن الظروف الواقعيّة والتاريخيّة التي يعيش فيها. يخبرنا عن التعطّش، والطموح، والشوق إلى الملء، والحياة المكتملة، والرغبة في لمس العظمة، التي تملأ القلب وتسمو بالروح نحو أشياء عظيمة، مثل الحقيقة والصلاح والجمال، والعدل والمحبة. […] الرجاء جريء، فهو يعرف كيف ينظر إلى ما وراء الراحة الشخصية، والضمانات الصغيرة والتعويضات التي تضيّق الأفق، حتى ينفتح على المثل العليا التي تجعل الحياة أكثر جمالًا وجلالًا"[52]. تعالوا نسير في الرجاء.

 

 

 

الفصل الثاني

 

شخص غريب في الطريق

 

 

 

  1. كلّ ما ذكرته في الفصل السابق هو أكثر من مجرّد وصف بارد للواقع، لأنّ "آمالَ البشرِ وأفراحَهم، في زمننا هذا، وأحزانَهم ومآسيهم -لا سيما الفقراء منهم والمعذَّبين جميعًا-، لهي أفراحُ تلاميذِ المسيح وآمالُهم، وهي أحزانُهم ومآسيهم. وهل من شيءٍ إنسانيٍّ حقّ إلّا وله صداهُ في قلوبهم"[53]. بينما نحاول البحث عن ضياء في خضمّ ما نشهده، وقبل أن أقترح بعض خطوط العمل، أودّ أن أخصّص فصلًا لمَثَلٍ أعطاه يسوع المسيح قبل ألفي سنة. لأن مضمون هذا المثل، على الرغم من أنّ هذه الرسالة موجّهة إلى جميع الأشخاص ذوي النوايا الحسنة، وبغضّ النظر عن معتقداتهم الدينية، لا يسعه إلّا أن يثير اهتمام أيّ منّا.

 

"وإِذا أَحَدُ عُلماءِ الشَّريعَةِ قَد قامَ فقالَ لِيُحرِجَه: “يا مُعَلِّم، ماذا أَعملُ لِأَرِثَ الحيَاةَ الأَبَدِيَّة؟“ فقالَ له: “ماذا كُتِبَ في الشَّريعَة؟ كَيفَ تَقرأ؟“ فأَجاب: “أَحبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ بِكُلِّ قَلبِكَ، وكُلِّ نَفسِكَ، وكُلِّ قُوَّتِكَ، وكُلِّ ذِهِنكَ وأَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ“. فقالَ لَه: “بِالصَّوابِ أَجَبْتَ. اِعمَلْ هذا تَحْيَ“. فأَرادَ أَن يُزَكِّيَ نَفسَه فقالَ لِيَسوع: “ومَن قَريبـي؟“ فأَجابَ يَسوع: “كانَ رَجُلٌ نازِلاً مِن أُورَشَليم إِلى أَريحا، فوقَعَ بِأَيدي اللُّصوص. فعَرَّوهُ وانهالوا علَيهِ بِالضَّرْب. ثمَّ مَضَوا وقد تَركوهُ بَينَ حَيٍّ ومَيْت. فاتَّفَقَ أَنَّ كاهِناً كانَ نازِلاً في ذلكَ الطَّريق، فرآهُ فمَالَ عَنه ومَضى. وكَذلِكَ وصلَ لاوِيٌّ إِلى المَكان، فَرآهُ فمَالَ عَنهُ ومَضى. ووَصَلَ إِلَيه سَامِرِيٌّ مُسافِر ورَآهُ فأَشفَقَ علَيه، فدَنا منه وضَمَدَ جِراحَه، وصَبَّ علَيها زَيتاً وخَمراً، ثُمَّ حَمَلَه على دابَّتِه وذَهَبَ بِه إِلى فُندُقٍ واعتَنى بِأَمرِه. وفي الغَدِ أَخرَجَ دينارَيْن، ودَفَعهما إِلى صاحِبِ الفُندُقِ وقال: “اِعتَنِ بِأَمرِه، ومَهْما أَنفَقتَ زيادةً على ذلك، أُؤَدِّيهِ أَنا إِليكَ عِندَ عَودَتي“. فمَن كانَ في رأيِكَ، مِن هؤلاءِ الثَّلاثَة، قَريبَ الَّذي وَقَعَ بِأَيدي اللُّصوص؟“ فقال: “الَّذي عَامَلَهُ بِالرَّحمَة“. فقالَ لَه يَسوع: “اِذْهَبْ فاعمَلْ أَنتَ أَيضاً مِثْلَ ذلك“" (لو 10، 25- 37).

 

خلفيّة المثل

 

  1. يشملُ هذا المثلُ خلفيّةَ قرون مضت. بعد رواية خلق العالم والإنسان بقليل، طَرَح الكتاب المقدّس ما تمثّله العلاقات بيننا من تحدٍّ. قتل قايين أخيه هابيل، وارتفع صدى سؤال الله: "أين هابيلُ أخوك؟" (تك 4، 9). ونحن نعطي الجواب نفسه بشكل متكرّر: "أَحارِسٌ لأَخي أَنا؟" (المرجع نفسه). بسؤاله هذا، يشكّك الله في جميع أنواع الحتمية أو القدرية التي تسعى إلى تبرير اللامبالاة باعتبارها الجواب الوحيد الممكن. لا بل إنه يمنحنا القدرة على إنشاء ثقافة مختلفة تقودنا إلى تخطّي العداوات والعناية ببعضنا البعض.

 

  1. يرتكز سفر أيّوب على حقيقة مؤدّاها أنّ الخالق هو واحدٌ للجميع كي يؤكّد بعض الحقوق المشتركة: "أَوَلَيسَ الَّذي صَنَعَني في البَطنِ هو صَنَعَهما ووَاحِدٌ كَوَّنَنا في الرَّحِم؟" (أي 31، 15). وبعد عدّة قرون، عبّر عن الفكرة نفسها القدّيس إيريناوس بكلمات أخرى مستندًا على صورة اللحن: "يجب ألّا ينخدع محبّي الحقيقة باختلاف كلّ نغمة، ولا أن يفترض وجود مبدع للواحدة ومبدع آخر للأخرى [...]، إنما المبدع واحدٌ"[54].

 

  1. كانت وصيّة محبّة الآخر والعناية به، في التقاليد اليهودية، تبدو كأنها تقتصر على العلاقات بين أبناء الأمّة نفسها. وكان يُفهم عادة المبدأ القديم "أحبب قريبك كنفسك" (أح 19، 18) على أنه يشير إلى هؤلاء الأبناء. ومع ذلك، فالحدود كانت تتّسع لا سيما في التقاليد اليهودية التي تطوّرت خارج أرض إسرائيل. فظهرت دعوة «ألَّا تَفْعَلَ بِالْآخَرِينَ مَا لَا تَوَدُّ أَنْ يَفْعَلُوهُ بِكَ» (را. طو 4، 15). وقال فيها الحكيم هيلّيل (القرن الأوّل قبل الميلاد): "هذه هي الشريعة والأنبياء. وكلّ ما دونها هو تعليق"[55]. وأدّت الرغبة في التشبّه بالمواقف الإلهية إلى تخطّي هذا الميل إلى اعتبار الأقربين وحسب: "إن الإنسان يرحم قريبه فقط، لكن الربّ رحيم تجاه جميع الأحياء" (سي 18، 13).

 

  1. أمّا في العهد الجديد، فقد ظهر مبدأ هيلّيل بصيغة إيجابية: "كُلُّ ما أَرَدْتُم أَن يَفْعَلَ النَّاسُ لكُم، اِفعَلوهُ أَنتُم لَهم: هذِه هيَ الشَّريعَةُ والأَنبِياء" (متى 7، 12). إنّ هذه الدعوة هي عالمية، تميل إلى شمل الجميع، لمجرّد كونهم بشر، لأن العليّ، الآب السماوي "يُطلِعُ شَمْسَه على الأَشرارِ والأَخيار" (متى 5، 45). وبالتالي يوصي: "كونوا رُحَماءَ كما أَنَّ أَباكُم رَحيم" (لو 6، 36).

 

  1. هناك دافع لأن نوسّع قلبنا حتى لا يستثني النزيل، ونجد هذا الدافع في أقدم نصوص الكتاب المقدّس. وذلك لأن الشعب اليهودي يتذكّر بشكل دائم أنه عاش كنزيل في مصر:

 

"والنَّزيلُ فلا تَظلِمْه ولا تُضايِقْه، فإِنَّكم كُنتُم نُزَلاءَ في أَرضِ مِصْر" (خر 22، 20).

 

"ولا تُضايِقِ النَّزيل، لأَنَّكم تَعلَمونَ ما في نَفْسِ النَّزيل، فإِنَّكم كُنتُم نُزَلاءَ في أَرضِ مِصْر" (خر 23، 9).

 

"وإِذا نَزَلَ بِكم نَزيلٌ في أَرضِكم، فلا تَظلِموه. ولْيَكُنْ عِنْدَكُمُ النَّزيلُ المُقيمُ فيما بَينَكم كآبنِ بَلَدِكم، تُحِبُّهُ حُبَّكَ لِنَفسِكَ، لأَنَّكم كُنتُم نُزَلاءَ في أَرضِ مِصْر: أَنا الرَّبُّ إِلهُكم" (أح 19، 33- 34).

 

"وإِذا قَطَفتَ كَرمَكَ، فلا تُراجعْ ما بَقِيَ مِنه، إِنَّه لِلنَزيلِ واليَتيمِ والأَرمَلَةِ يَكون. واذكُرْ أَنَّكَ كُنتَ عَبْدًا بِمِصْر، لِذلك أَنا آمُرُكَ بأَن تَصنَعَ هذا الأَمْر" (تث 24، 21- 22).

 

وفي العهد الجديد، يتردّد بقوّة صدى الدعوة إلى المحبّة الأخوية:

 

"لأَنَّ تمامَ الشَّريعةِ كُلِّها في هذهِ الكَلِمةِ الواحِدة: “أَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفْسِكَ“" (غل 5، 14).

 

"مَن أَحَبَّ أَخاه أَقامَ في النُّور ولم يَكُنْ فيه سَبَبُ عَثرَة. أمَّا مَن أُبغَضَ أَخاه فهو في الظَّلامِ وفي الظَّلامِ يَسير فلا يَدْري إِلى أَينَ يَذهَب لأَنَّ الظَّلامَ أَعْمى عَينَيه" (1 يو 2، 10- 11).

 

"نَحنُ نَعلَمُ أَنَّنا انتَقَلْنا مِنَ المَوت إِلى الحَياة لأَنَّنا نُحِبُّ إِخوَتَنا. مَن لا يُحِبُّ بَقِيَ رَهْنَ المَوت" (1 يو 3، 14).

 

"الَّذي لا يُحِبُّ أَخاه وهو يَراه لا يَستَطيعُ أَن يُحِبَّ اللهَ وهو لا يَراه" (1 يو 4، 20).

 

  1. إنّ اقتراح المحبّة هذا يمكن أيضًا أن يُساء فهمه. فإزاء ميل الجماعات المسيحيّة الأولى إلى إنشاء مجموعات مغلقة ومعزولة، حثّ القدّيسُ بولس تلاميذَه، ولم يكن ذلك دون سبب، على تنمية المحبّة لبعضهم البعض "ولجميع الناس" (1 تس 3، 12)، وطُلِبَ في جماعة يوحنا الترحيبُ بالإخوة "مع أنهم غرباء" (3 يو 5). إنّ هذا السياق يساعد على فهم قيمة مَثَل السامريّ الصالح: فالمحبّة لا تبالي بما إذا كان الأخ الجريح يأتي من هنا أو من هناك. لأن المحبّة "تكسر السلاسل التي تعزلنا وتفصلنا، وتبني الجسور. المحبّة تسمح لنا ببناء عائلة كبيرة يمكن أن نشعر جميعنا بها أننا في البيت، [...] وتعرف التعاطف والكرامة"[56].

 

المتروك

 

  1. يروي يسوع أنه كان هناك رجل جريح ملقى على الطريق، تعرّض للاعتداء. مرّ عدّة أشخاص بالقرب منه لكنهم هربوا، لم يتوقّفوا. كانوا أشخاصًا لهم وظائف مهّمة في المجتمع، لكن لم يكن في قلبهم محبّة الخير العام. لم يتمكّنوا من إعطاء بضع دقائق للاعتناء بالجريح أو على الأقلّ لطلب المساعدة. ولكن توقّف شخص ما، وأظهر له قربه، وعالجه بيديه، وأخرج المال من جيبه واعتنى به. وفوق كلّ شيء، أعطاه شيئًا نبخل به كثيرًا في هذا العالم المتسرّع: أعطاه وقته. كان لديه بالتأكيد مشروعه للاستفادة من ذلك اليوم وفق حاجاته أو التزاماته أو رغباته. لكنه استطاع أن يضع كلّ شيء جانبًا إزاء الرجل الجريح، ودون أن يعرفه، اعتبره جديرًا بأن يخصّص له وقته.

 

  1. مِثل أيّ واحد منهم أنت؟ هذا السؤال فظّ ومباشر وحاسم. أيّ واحد منهم تُشبه؟ نحن بحاجة للاعتراف بالميل الذي يحدق بنا إلى تجاهل الآخرين؛ وخاصّة الضعفاء. لنكن صادقين، لقد تقدّمنا في جوانب عديدة، لكننا أُمّيّون على مستوى مرافقة ورعاية ومساندة الأشخاص الأكثر هشاشةٍ وضعفٍ في مجتمعاتنا المتطوّرة. لقد اعتدنا على أن نميل نظرنا، ونميل عن الآخر، ونتجاهل الأوضاع إلى أن تطالنا مباشرة.

 

  1. اعتدوا على شخص في الشارع، وهرب الكثيرون كما لو أنهم لم يروا شيئًا. غالبًا ما يصدم بعض الأشخاصُ بسيّاراتهم أحدَهم ويهربون. ما يهمّهم هو تجنّب المشاكل فحسب، ولا يبالون بما إذا مات الشخص بسببهم. لكن هذه العلامات هي علامات نمط حياة واسع الانتشار، يظهر بطرق مختلفة، ومنها علامات قد تكون أكثر خفية. وكذلك، نظرًا لأننا جميعًا نركّز باهتمام على احتياجاتنا الخاصّة، فإن رؤية شخص ما يعاني تضايقنا، وتزعجنا، لأننا لا نريد إضاعة وقتنا بسبب مشاكل الآخرين. إنّ هذه الأعراض هي أعراض مجتمع مريض، لأنه يسعى لبناء ذاته مُعرِضًا عن الألم.

 

  1. من الأفضل عدم الوقوع في هذا البؤس. لننظر إلى مثل السامري الصالح. يدعونا هذا النصّ إلى تجديد دعوتنا باعتبارنا مواطنين في بلادنا وفي العالم بأسره، وباعتبارنا بناة لروابط اجتماعية جديدة. إنها دعوة دائمة الجِدَّة، على الرغم من أنها كُتِبَت شريعةً أساسيّة لكياننا: فهي دعوة لأن يتوجّه المجتمع نحو السعي لتحقيق الخير العام، ومن هذا المنطلق، إنها دعوة لأن يعيد المجتمع بناء نظامه السياسي والاجتماعي، ونسيج علاقاته، ومشروعه البشري. فقد أظهر السامري الصالح من خلال أعماله أنّ "وجود كلّ واحد منّا مرتبط بوجود الآخرين: الحياة ليست وقت يمرّ، بل وقت لقاء"[57].

 

  1. هذا المثل هو صورة منيرة، قادرة على إلقاء الضوء على الخيار الأساسي الذي نحتاج إلى القيام به من أجل إعادة بناء هذا العالم الذي يؤلمنا. إزاء الكثير من الألم، إزاء الكثير من الجراح، المخرج الوحيد هو أن نكون مثل السامري الصالح. وأيّ خيار آخر يقودنا إمّا إلى جهة اللصوص أو إلى جهة الذين يمرّون، دون أن يشفقوا على الشخص الجريح في الطريق. يوضّح لنا المثل ما هي المبادرات التي يمكن من خلالها إعادة بناء المجتمع، انطلاقًا من رجال ونساء يتبنّون ضعف الآخرين، ولا يسمحون ببناء مجتمعٍ يقوم على الاستبعاد، بل يُظهِرون قُربَهم من الذي يسقط ويقيمونه ويعيدون تأهيله، بحيث يكون الخير مشتركًا. ويحذّرنا المثل في الوقت ذاته، من بعض تصرّفات الأشخاص الذين يهتمّون فقط لأنفسهم ولا يتكفّلون بمطالب الواقع البشري التي لا مفرّ منها.

 

  1. هذه الرواية -بكلّ صراحة-، لا تمرّر تعليمًا يتناول مُثُلًا مجرّدة، كما أنها لا تقتصر على مغزاها الأخلاقي-الاجتماعي. بل تكشف لنا ميزة أساسية للإنسان، كثيرًا ما تُنسى: أننا خُلِقنا بُغيَةَ الملء الذي لا نتوصّل إليه إلّا بالمحبّة. أمّا العيش بغير مبالاة إزاء الألم فليس خيارًا ممكنًا، لا يمكننا أن نترك شخصًا "في هامش الحياة". بل إنّ هذا يجب أن يغيظنا، ويُنزِلنا من طمأنينتنا حتى نتألّم مع ألم الإنسانية. هذه هي الكرامة.

 

قصّة تتكرّر

 

  1. الرواية هي بسيطة ومسارُها مستقيم واضح، ولكنّها تحتوي على كلّ ديناميكيّة الصراع الداخليّ الذي نعيشه في صياغة هويتنا، وفي كلّ حياة تنطلق في طريق تحقيق الأخوّة البشرية. نحن نصطدم حتمًا في طريقنا مع شخص مجروح. وهناك اليوم المزيد والمزيد من الأشخاص المجروحين. إنّ إدماج أو استبعاد الشخص الذي يتألّم على هامش الطريق، يحدّد جميع المشاريع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية. نحن نواجه كلّ يوم خيارَ أن نكون سامرّيين صالحين أو مارّين غير مبالين مرورَ الكرام. وإذا بسطنا نظرنا على كامل تاريخنا وعلى العالم المديد والواسع، فسوف نجد أننا جميعًا، أو أننا قد كنّا، مثل هذه الشخصيّات: لدينا جميعًا شيءٌ من الرجل الجريح، وشيءٌ من اللصّ، وشيءٌ من الذين يمرّون مرور الكرام، وشيءٌ من السامري الصالح.

 

  1. لقد تغيّر اختلاف الشخصيّات في القصّة تغييرًا تامًّا عند رؤيتهم المظهر المؤلم للرجل المُلقى أرضًا، والمُهان، وهذا التغيير جدير بالاهتمام. فلم يعد هناك تمييز بين سكّان يهوذا وسكّان السامرة، لم يعد هناك كاهن أو تاجر؛ هناك ببساطة نوعان من الأشخاص: الذين يتحمّلون الألم والذين يمرّون؛ الذين ينحنون لأنهم يتعرّفون على الرجل الملقى في الطريق والذين يصرفون نظرهم ويُسرعون خطواتهم. هنا، في الحقيقة، تسقط أقنعتنا المتعدّدة وملصقاتنا وأزيائنا: لأنها لحظة الحقيقة. هل سننحني لنلمس ونعتني بجراح الآخرين؟ هل سننحني لنحمل بعضنا البعض؟ هذا هو التحدّي الحالي الذي يجب ألّا نخاف منه. في الأزمات، يصبح الخيار مُلحًّا: يمكننا القول في هذه اللحظة، إنّ كلّ مَن ليس سارقًا وكلّ من لا يمرّ مرور الكرام، هو إمّا جريح وإمّا يحمل على أكتافه شخصًا جريحًا.

 

  1. إن قصّة السامري الصالح تتكرّر: وأصبح من الواضح أنّ الاهمال الاجتماعي والسياسي قد حوّل أجزاء كثيرة من عالمنا إلى طرق مهجورة، تَترك فيها النزاعات الداخلية والدولية ونهب الفرص، الكثيرَ من المهمّشين، وتلقي بهم إلى جانب الطريق. لا يقترح يسوع طرقًا بديلة في مَثَله، مثل: ماذا كان سيحدث لذلك الرجل الجريح أو للرجل الذي ساعده، لو أنّ الغضب أو العطش للانتقام دخل قلبيهما؟ يسوع يثق بأفضل ما في الروح البشرية من غنى، ويشجّعها في المثل على التمسّك بالمحبّة، والاعتناء بالرجل المتألّم، وبناء مجتمع جدير بهذا الاسم.

 

الشخصيّات

 

  1. يبدأ المَثل باللصوص. والبداية التي اختارها يسوع هي اعتداء كان قد حدث. لا يجعلنا نتوقّف لنستنكر الحدث، ولا يوجّه نظرنا نحو اللصوص. نحن نعرفهم. فقد رأينا في العالم توسّع ظلال التخلّي، والعنف المُستَخدّم لمصالح دنيئة في السلطة والتكديس والانقسام. قد يكون السؤال: هل نتخلّى عمَّن يتألّم كي نحمي ذواتنا من العنف أم كي نطارد اللصوص؟ هل يكون الجريح مبرِّرا لانقساماتنا التي لا حلّ لها، وعدم مبالاتنا القاسية، ومواجهاتنا الداخلية؟

 

  1. ثم يجعلنا المَثل نلقي نظرة واضحة على الذين يمرّون مرور الكرام. هذه اللامبالاة الخطيرة التي تتجلّى بِعَدَم توقّفهم، سواء كان بريئًا أم لا، والذي هو نتيجة الازدراء أو الشرود المُحزن، تجعل من شخصيّتَي الكاهن واللاوي انعكاسًا –هو الآخر مُحزِنًا- لتلك المسافة التي تفصلُ الشخصَ فصلًا قاطعًا عن الواقع. هناك طرق عديدة للمرور بتجاهل، طرق تكمّل بعضها البعض: إحداها هو الشرود في الذات، وإغفال الآخرين، وعدم الاكتراث؛ وأخرى هي مجرّد النظر إلى الخارج. ففيما يتعلّق بهذه الطريقة الأخيرة، نجد في بعض البلدان، أو في قطاعات معيّنة منها، ازدراء للفقراء ولثقافتهم، وهناك عيش والنظر محوّل إلى الخارج، كما لو كان مشروعُ بلدٍ مستَورَدٍ من هذا الخارج، هو بمنزلة مثال لهم، يحاولُ أن يحتلّ مكانهم. ويمكن بهذه الطريقة تبرير عدم مبالاة البعض، لأن الذين يستطيعون لمس قلوبهم بمطالبهم لا وجود لهم بكلّ بساطة. هم خارج أفق مصالحهم.

 

  1. هناك تفصيل يميّز الذين يمرّون مرور الكرام لا يمكننا تجاهله: كانوا أشخاصًا متديّنين. علاوة على ذلك، وقفوا أنفسهم على عبادة الله: كاهن ولاوي. وهذا جدير بانتباه خاصّ: فهذا يشير إلى أنّ الإيمان بالله وعبادته لا يضمن العيش بما يرضي الله. قد لا يكون المؤمن مخلصًا لكلّ ما يتطلّبه منه هذا الإيمان، إلّا أنه قد يشعر أنه قريب من الله ويظنّ أنه أجدر من الآخرين. لكن هناك طرق لعيش الإيمان تساعد على فتح القلب للإخوة، وفتح القلب هذا للأخوّة هو الضمان للانفتاح الحقيقي لله. توصّل القدّيس يوحنا الذهبي الفمّ لأن يعبّر بوضوح تامّ عن هذا التحدّي الذي يواجهه المسيحيّون: "هل تريدون إكرام جسد المسيح؟ لا تحتقروه عندما ترونه عريانًا [...] لا تكرّموه هنا، في المعبد، بثياب حريرية، إذا كنتم خارجًا تتركونه في برده وعريه"[58]. المفارقة هي أنه في بعض الأحيان، قد تكون طاعةُ الذين يقولون إنهم لا يؤمنون لمشيئةِ الله، أفضلَ من طاعة المؤمنين لها.

 

  1. لدى "لصوص الطريق" حلفاءٌ سرّيّون، وغالبًا ما ينتمون إلى الذين "يمرّون على الطريق محوّلين نظرهم في الاتّجاه الآخر". فالدائرة هي مُغلَقة بين الذين يستخدمون المجتمع ويخدعونه لابتزازه، والذين يعتقدون أنهم يحافظون على نقائهم في وظيفتهم الصعبة، ولكنهم يعيشون في الوقت ذاته من هذا النظام وموارده. إنه لرياءٌ محزن: حيث ينضمُّ الإفلاتُ من العقاب، والجرائمُ واستخدامُ المؤسّسات لتحقيق مكاسب شخصية أو مؤسّسية، وغيرها من الشرور التي فشلنا في القضاء عليها، إلى فعلِ التشكيك الدائم بكلّ شيء، والبثّ المستمرّ للريبة التي تسبّب عدم الثقة والحيرة. وخدعة الـ "كلّ شيء يسير على نحو خاطئ" تتوافق مع "لا أحد يستطيع إصلاح الأمور"، و "ماذا يمكنني أن أفعل؟". إننا نغذّي بهذه الطريقة، خيبة الأمل واليأس، وهذا لا يشجع روحَ التضامن والسخاء. إغراق الناس في الإحباط هو مفتاح الحلقة المفرغة المثالية: إنه الأسلوب الذي تتّبعه ديكتاتورية خفيّة، ديكتاتورية المصالح الحقيقية غير المرئية التي استولت على الموارد وعلى القدرة على التعبير عن الآراء والتفكير.

 

  1. وختامًا دعونا نلقي نظرة على الرجل الجريح. نشعر أحيانًا مثله، أنّ جراحنا خطيرة وأننا مطروحون على جانب الطريق. كما نشعر بالعجز بسبب مؤسّساتنا التي لا قوّة لها ولا موارد، أو موجّهة لخدمة مصالح عدد قليل من الأشخاص، من الخارج ومن الداخل. لأن "هناك في المجتمع المعولم، أسلوبٌ أنيقٌ لتحويل النظر يُمارَس بشكل متكرّر: تحت غطاء الصوابية السياسية أو الإيديولوجيات الشائعة، ننظر إلى الذين يعانون دون أن نلمسهم، وننقلهم على الهواء مباشرة، وحتى أننا نتبنّى خطابًا متسامحًا ظاهريًّا ومليء بالتلميحات"[59].

 

البدء من جديد

 

  1. تُتاح لنا كلّ يوم، فرصة جديدة، ومرحلة جديدة. ليس علينا أن ننتظر كلّ شيء من الذين يحكموننا، فهذا تصرّف طفوليّ. فنحن نملك فسحة من المسؤولية المشتركة، قادرة على إطلاق وإنشاء عمليّات وتحوّلات جديدة. علينا أن نكون نشطين في إعادة تأهيل المجتمعات المجروحة ومساندتها. إننا اليوم أمام فرصة عظيمة لإظهار جوهرنا الأخويّ، ولأن نكون سامريّين صالحين آخَرين يتحمّلون ألمَ الفشلِ، بدلًا من التحريض على الكراهية والضغينة. على غرار المسافر العابر في روايتنا، كلّ ما هو مطلوب إنما هي الرغبة الحرّة والنقية والبسيطة في أن نكون شعبًا، وأن نكون ثابتين ودؤوبين في عمليّة إقامة الذي يسقط وضمّه وإدماجه؛ رغم أننا غالبًا ما نجد أنفسنا منغمسين ومجبورين على تكرار منطق العنف، منطق الذين يتطلّعون فقط إلى ذواتهم، ويبثّون الارتباك والأكاذيب. لنَدَع الآخرين يواصلون التفكير في السياسة أو الاقتصاد لصالح لعبة السلطة. أمّا نحن فلنُنَمِّ ما هو صالح ولنَخدُم الخير.

 

  1. باستطاعتنا أن نبدأ من الأسفل، وانطلاقًا من شخص واحد، وأن نجاهد في سبيل ما هو أكثر واقعية وما هو محلّي، وحتى آخر زاوية من الوطن والعالم، فنقدّم نفس الرعاية التي قدّمها السامري لكلّ جرح من جراحات الرجل المُصاب. فلنبحث عن الآخرين ونأخذ على عاتقنا الواقع وفق مقدورنا، دون خوف من الألم أو العجز، لأن في هذا التصرّف كلّ الخير الذي زرعه الله في قلب الإنسان. الصعوبات التي تبدو هائلة هي فرصة للنموّ، وليست عذراً للحزن الخامل الذي يفتح المجال للخضوع. ولكن يجب ألّا نقوم بذلك بمفردنا. لقد بحث السامري عن مُضيف يستطيع رعاية هذا الرجل، نحن أيضًا مدعوّون للاجتماع واللقاء في جماعة، في "نحن"، أقوى من مجموع الأفراد؛ تذكّروا أنّ "الكلّ أكثر من الجزء، وأكثر أيضًا من مجرّد مجموع تلك الأجزاء"[60]. فلنبتعد عن التفاهة وعن الاستياء الذي تسبّبه الخصوصيّات العقيمة، وعن المواجهات التي لا تنتهي. فلنتوقّف عن إخفاء ألم الخسائر ولنتحمّل مسؤولية جرائمنا وخمولنا وأكاذيبنا. فالمصالحة التي تُصلِح، سوف تُقيمنا من جديد وتحرّرنا من خوفنا من أنفسنا ومن الآخرين.

 

  1. مضى السامري في طريقه دون أن ينتظر الاعتراف بالجميل أو الشكر. كان التفاني في الخدمة هو أكثر ما أرضاه أمام إلهه وحياته، ولذا فهو واجب. لدى جميعنا مسؤولية تجاه الرجل الجريح الذي هو الشعب بذاته وجميع شعوب الأرض. فلنعتنِ بضعف كلّ رجل، وكلّ امرأة، وكلّ طفل، وكلّ رجل مسنّ، وقلبنا مستعدّ لتقديم العناية والاهتمام، بنفس استعداد السامري الصالح لإظهار قربه من الآخر.

 

القريب بلا حدود

 

  1. لقد اقترح يسوع هذا المثل إجابةً عن السؤال: مَن هو قريبي؟ كانت تشير كلمة "قريب" في مجتمع ذاك الزمن إلى مَن هو الأقرب، أي المجاور. كان من المفهوم أنه يجب توجيه المساعدة، أولاً وقبل كلّ شيء، إلى الذين ينتمون إلى جماعتهم أو إلى عرقهم. وكان بعض اليهود ينظرون إلى السامري آنذاك على أنه كائن حقير ونجس، وبالتالي لم يكن ينتمي إلى الأشخاص المقرّبين الذين يجب مساعدتهم. وقد غيّر يسوع، الذي هو يهوديّ أيضًا، هذا النهج بالكامل: فهو لا يدعونا للتساؤل عمَّن هو قريبنا، إنما لنصبح نحن أقرباء الآخرين.

 

  1. الاقتراح هو أن نكون إلى جانب الذين يحتاجون إلى المساعدة، بغضّ النظر عمّا إذا كانوا ينتسبون إلى دائرة الانتماء نفسها. وفي هذه الحالة، كان السامريّ هو الذي أصبح قريبَ اليهودي الجريح. وكي يصبح قريبًا وحاضرًا، تخطّى جميع الحواجز الثقافية والتاريخية. اختتم يسوع المثل بطلب: "اِذْهَبْ فاعمَلْ أَنتَ أَيضاً مِثْلَ ذلك" (لو 10، 37). أي أنه يدفعنا لأن نضع جانبًا جميع الاختلافات، وأن نصير، إزاء المعاناة، أقرباء أيّ شخص كان. لذا، أنا لا أقول إنّ لديّ "قريب" يجب أن أساعده، بل أشعر أنني مدعوّ لأن أصبح قريب الآخرين.

 

  1. المشكلة هي أنّ يسوع يشير، بوضوح، إلى أنّ الجريح كان يهوديًا -من سكّان يهوذا- بينما الشخص الذي توقّف وساعده كان سامريًا -من سكّان السامرة-. لهذه التفاصيل أهمّية استثنائية إذا أردنا التفكير في محبّة منفتحة على الجميع. كان السامريّون يقيمون في منطقة وصلتها عدوى الطقوس الوثنية، وهذا صيّرهم، بالنسبة لليهود، أنجاسًا، وبغضاء وخطيرين. فالنصّ اليهوديّ القديم الذي يذكُر الأمم المكروهة، في الواقع، يشير إلى السامرة، ويؤكّد كذلك أنها "لَيسَت بِأُمَّة" (سي 50، 25)، ويضيف أنه "الشَّعبُ الأَحمَقُ السَّاكِنُ في شَكيم" (50، 26).

 

  1. هذا ما يفسّر إجابة المرأة السامرية ليسوع عندما طلب منها أن يشرب: "كَيفَ تسأَلُني أَن أَسقِيَكَ وأَنتَ يَهوديٌّ وأنا امرَأَةٌ سامِريَّة؟" (يو 4، 9). والذين كانوا يبحثون عن اتّهامات تَقدِر أن تشّوه سمعة يسوع، فإن أكثر شيء مسيء وجدوه كان بقولهم له "بِكَ مَسًّا" و "أنك سامري" (يو 8، 48). ولذا، فإن هذا اللقاء الرحيم بين سامريّ ويهوديّ إنما هو استفزاز قويّ ينفي أيّ تلاعب أيديولوجي، كي نوسّع دائرتنا، ونمنح قدرتنا على المحبة بُعدًا عالميًّا قادرًا على تخطّي جميع الأحكام المسبقة، وكلّ الحواجز التاريخية أو الثقافية، وكافّة المصالح الرخيصة.

 

 

 

نداء الغريب

 

  1. وأخيرًا، أذكّر أنّ يسوع قال في فقرة أخرى من الإنجيل: "كُنتُ غَريباً فآويتُموني" (متى 25، 35). كان باستطاعة يسوع أن يقول هذه الكلمات لأن قلبه كان مفتوحًا، يتبنّى مأساة الآخرين. وكان القدّيس بولس يشجّع قائلًا: "افرَحوا مع الفَرِحين وابْكوا مع الباكين" (روم 12، 15). عندما يتّخذ القلب هذا الموقف، يقدر أن يتماهى مع الآخر، بغضّ النظر عن مكان ولادته أو عن أصله. عندما ندخل في هذه الديناميكية، يختبر القلب في النهاية أنّ الآخرين هم من "لَحمِه" (را. أش 58، 7).

 

  1. إن كلمات يسوع، بالنسبة للمسيحيّين، تحمل بعدًا متسامٍ آخر. فهي تعني التعرّف على المسيح نفسه في كلّ أخ متروك أو مُستَبعَد (را. متى 25، 40. 45). في الحقيقة، إنّ الإيمان يملأ هذا التعرّف بدوافع جديدة، لأن الذي يؤمن يتوصّل لأن يعترف أنّ الله يحبّ كلّ إنسان بمحبّة لامتناهية وأنه "يمنحه معها كرامة لامتناهية"[61]. نضيف إلى ذلك أننا نؤمن بأن المسيح قد أهرق دمه من أجل الكلّ وكلّ واحد، ولذلك ما من أحد يُترك خارج محبّته الشاملة. وإذا ذهبنا إلى المصدر النهائي، الذي هو حياة الله الحميمة، فسوف نجد جماعةً من ثلاثة أقانيم، هي أصل كلّ حياة مشتركة ونموذجها المثالي. ما زال اللاهوت يزداد غنًى بفضل تأمّله في هذه الحقيقة العظمى.

 

  1. أندهش أحيانًا من أنّ رغم هذه الدوافع، استغرقت الكنيسة وقتًا طويلاً لإدانة العبودية وأشكال العنف المختلفة. واليوم، مع تطوّر الروحانية واللاهوت، ليس لدينا أعذار. ومع ذلك، لا يزال هناك أشخاص يبدو أنهم يعتقدون أنّ دينهم يسمح لهم أو يدفعهم لأن يساندوا أشكالًا مختلفة من القوميات المغلقة والعنيفة، ومواقفَ معادية للغرباء، والازدراءَ تجاه الذين ليسوا مثلهم وحتى سوءَ معاملتهم. يجب أن يحافظ الإيمان، مع الإنسانية التي يشملها، على حسّ نقديّ حيّ إزاء هذه الميول، وأن يساعد على تفاعلٍ سريعٍ ما إن تبدأ بالظهور. لذا، فمن المهمّ أن يشمل التعليم المسيحيّ والوعظ، بشكل مباشر وواضح، المعنى الاجتماعي للوجود، والبعد الأخويّ للروحانيّة، والاقتناع بالكرامة القاطعة لكلّ شخص، والدوافع إلى محبّة الجميع وقبول الجميع.

 

 

 

الفصل الثالث

 

تخطيط لعالم منفتح وخلقه

 

 

 

  1. لقد صيغَ الإنسان بطريقة لا تسمح له بأن يحقّق ذاته أو يتطوّر أو يجد الملء "إلّا ببذلِ ذاته دون مقابل للآخرين"[62]. حتى أنه لا يدرك تمامًا حقيقته الخاصّة إلّا عبر لقائه بالآخرين: "أنا في الواقع لا أتواصل مع نفسي إلّا بقدر ما أتواصل مع الآخر"[63]. وهذا يفسّر سبب عدم قدرة أيّ شخص على اختبار قيمة الحياة بدون وجوه ملموسة يحبّها. هنا سرّ الوجود الإنساني الحقيقي، لأن "الحياة موجودة حيث يوجد رابط وشركة وأُخُوّة، وهي أقوى من الموت عندما تكون مبنيّة على علاقات حقيقية وعلى روابط الأمانة. على العكس من ذلك، لا توجد حياة يَدَّعِي فيها البعض أنهم ينتمون إلى أنفسهم فقط ويعيشون في العزلة. في مثل هذه المواقف، يسود الموت"[64].

 

ما وراء ذلك

 

  1. إن الحبّ ينشئ روابط من عمق القلب، ويجعل الحياة أرحب، عندما يُخرِج الشخصَ من ذاته نحو الآخر[65]. فقد خُلِقنا كي نحبّ، وفي كلّ واحد منّا نوع من "شريعة النشوة: وهي الخروج من الذات لنجد في كيان الآخر نموًا لوجودنا"[66]. لذا "فعلى أيّ حال، يجب على الإنسان أن يقوم بهذه الخطوة: أن يخرج من ذاته"[67].

 

  1. لكن لا يمكن أن تقتصر حياتي على علاقة مع مجموعة صغيرة، ولا حتى مع عائلتي، لأنه من المستحيل أن أفهم نفسي بدون نسيج أوسع من العلاقات: ليس فقط النسيج الحالي إنما أيضًا ذاك الذي سبقني وصاغَني طوال حياتي. لا تستطيع علاقتي مع شخص أقدّره أن تتجاهل أنّ هذا الشخص لا يعيش فقط لعلاقته بي، ولا أنا أعيش فقط لصلتي به. علاقتنا، إذا كانت علاقتنا سليمة وأصيلة، فإنّها تفتحنا على الآخرين الذين يجعلوننا ننمو ونغتني. إنّ المعنى الاجتماعي الأنبل تُلغيه اليوم بسهولة علاقاتٌ حميمة أنانية تظهر كأنها علاقات قويّة. أمّا الحبّ الأصيل، الذي يساعد على النمو، وأنبل أشكال الصداقة، يكمن في قلوب تسمح بأن يكملّها الآخرون. فالعلاقة بين الزوجين ومع الصديق إنما هي كي تفتح قلبنا من حولنا، فنصبح قادرين على الخروج من ذواتنا ونتوصّل لأن نرحّب بالجميع. أمّا المجموعات المغلقة والأزواج ذوات المرجعة-الذاتية، الذين يشكلون نوعًا من "نحن" ضدّ الجميع، فغالبًا ما يكونوا أشكالًا من الأنانية تظهر كأنها مثالية، وهي مجرّد حماية ذاتية.

 

  1. ليس من المستغرب أن تكون الشعوب العديدة الصغيرة التي تعيش في مناطق صحراوية قد أنمت قدرة كبيرة على استقبال الحجّاج الذين يمرّون، واستحدثت واجب الضيافة المقدّس. عاشت الجماعات الرهبانية في العصور الوسطى هي أيضًا واجب الضيافة هذا، كما هو مذكور في القانون الرهباني بحسب القدّيس بندكتس. ورغم أنّ هذه الضيافة كان باستطاعتها أن تزعج نظام الأديرة وصمتها، إلّا أنّ بندكتس طالب "بمعاملة الفقراء والحجّاج بأقصى درجات الرعاية والعناية"[68]. الضيافة هي طريقة ملموسة لعدم حرمان ذواتنا من هذا التحدّي ومن هذه العطيّة التي هي اللقاء مع الإنسانية خارج جماعتنا الخاصّة. إنّ هؤلاء الأشخاص قد أدركوا أن كلّ القيم التي كان بإمكانهم تنميتها يجب أن تكون مصحوبة بهذه القدرة على تجاوز ذواتهم في انفتاحهم على الآخرين.

 

القيمة الفريدة للمحبّة

 

  1. يستطيع الناس أن ينمّوا بعض الصفات ويقدّمونها على أنها قيم أخلاقية: القوّة، والرصانة، والعمل المجتهد، والفضائل الأخرى. ولكن كيما تُوَجَّه أعمال الفضائل الأخلاقية المختلفة توجيهًا صحيحًا، من الضروري أيضًا النظر في مدى قدرتها على إنشاء ديناميكية من الانفتاح والاتّحاد تجاه الآخرين. تلك الديناميكية هي المحبّة التي ينشرها الله. وخلاف ذلك، قد تكون الفضائل بالمظهر فقط، وتعجز عن بناء حياة مشتركة. ولذا فقد قال القدّيس توما الأكويني -نقلاً عن القدّيس أوغسطينوس- إنّ الشخص الجشع حتى وإن تحلّى بالاعتدال فهذا ليس بفضيلة[69]. وأوضح القدّيس بونافنتورا بعبارة أخرى، أنّ الفضائل الأخرى، دون المحبّة، لا تفي قطعًا بالوصايا "كما يريدها الله"[70].

 

  1. يتميّز السموّ الروحيّ في حياة الإنسان بالمحبّة التي هي "معيار القرار النهائي في التقييم الإيجابي أو السلبي لحياة الإنسان"[71]. ومع ذلك، هناك مؤمنون يعتقدون أنّ عظمتهم تكمن في فَرضِ أيديولوجياتهم على البقيّة، أو في الدفاع العنيف عن الحقيقة، أو في إظهارٍ شاسع لقوّتهم. نحتاج نحن المؤمنين جميعًا لأن ندرك أن: المحبّة هي الأهمّ، والأمر الذي يجب ألّا نخاطر به أبدًا إنما هي المحبّة، والخطر الأكبر هو عدم المحبّة (را. 1 قور 13، 1- 13).

 

  1. في محاولةٍ لتوضيح ما هي خبرة المحبّة التي جعلها الله ممكنة بنعمته، فسّرها القدّيس توما الأكويني على أنها تشبه حركةً تُركِّز الانتباهَ على الآخر "معتبرة إيّاه واحدًا مع الشخص نفسه"[72]. الاهتمام الودّي الذي نقدّمه للآخر يجعلنا نتجّه نحو السعي المجاني وراء مصلحته. كلّ هذا يبدأ من تقديرٍ وتقييمٍ، نجده في النهاية في معنى كلمة "محبّة": الشخص المحبوب "غالٍ" على قلبي، كأني أقول "أعتبرك ذات قيمة عالية"[73]. "من المحبّة التي يحملها المرء لشخص آخر، ينبع كلّ عطاءٍ مجانيّ له"[74].

 

  1. فالمحبّة تعني بالتالي أكثر من مجرّد سلسلة من أعمال مفيدة. لأن هذه الأعمال تنبع من اتّحاد يجعلنا ننحني أكثر فأكثر نحو الآخر، معتبرين إياه قيّما وجديرًا ومَرضيًّا وجميلًا، أبعد من المظاهر الجسدية أو الخُلُقية. تدفعنا محبّتنا للآخرين لما هم عليه، إلى البحث عن الأفضل لحياتهم. ولن نستطيع التحضير لتحقيق الصداقة الاجتماعية التي لا تستبعد أيّ شخص، والأخوّة المفتوحة للجميع، إلّا عبر تنميةٍ للعلاقات بهذه الطريقة.

 

تنامي انفتاح المحبّة

 

  1. إن المحبّة في النهاية تجعلنا نتوق إلى شركة روحيّة شاملة. فلا أحد ينضج أو يبلغ الملءَ بعزل نفسه. لأن المحبة بفعل ديناميكيتها، تتطلّب انفتاحًا تدريجيًّا، وقدرة أكبر على الترحيب بالآخرين، في مغامرة لا تنتهي، توجّه جميعَ الأطراف نحو إحساس كامل بالانتماء المتبادل. قال لنا يسوع: "أَنتُم جَميعًا إِخوة" (متى 23، 8).

 

  1. هذه الحاجة إلى تجاوز حدود الذات تنطبق أيضًا على مختلف المناطق والبلدان. في الواقع، "إن تزايد عدد الترابطات والاتّصالات التي تتشابك في كوكبنا، يبيّن بشكل ملموس وعيَ جميع دول الأرض لمصيرها المشترك. ونرى في ديناميكيات التاريخ، رغم تنوع الأعراق والمجتمعات والثقافات، كيف انتشرت الدعوة لتشكيل مجتمع يتكوّن من إخوة يرحّبون ببعضهم البعض ويهتّمون ببعضهم البعض"[75].

 

مجتمعات منفتحة تدمج الجميع

 

  1. هناك ضواح قريبة منّا، في وسط المدينة، أو في أسرتنا نفسها. هناك أيضًا جانب لانفتاح المحبّة الشامل، ليس جغرافيّ إنما وجوديّ. وهو القدرة اليوميّة على توسيع دائرتي، للوصول إلى الذين لا أشعر بشكل تلقائي أنهم جزء من عالم اهتماماتي، حتى لو كانوا قريبين مني. من ناحية أخرى، إنّ كلّ أخت أو أخ يعاني، أو متروك، أو متجاهَل من قِبَلِ مجتمعي، هو غريب على المستوى الوجودي، حتى لو كان ابن البلد نفسه. قد يكون مواطنًا ولديه جميع الوثائق الإثباتية، لكنهم يجعلونه يشعر بأنه غريب في أرضه. العنصرية هي فيروس يتحوّل بسهولة، وبدلًا أن يختفي يتنكّر، لكنه في ترصّدٍ دائم.

 

  1. أودّ أن أذكُر هؤلاء "المنفيّين المخفيّين" الذين يُعامَلون كجسم غريب في المجتمع[76]. فالعديد من الأشخاص ذوي الإعاقة يشعرون "أنهم موجودون دون انتماء ولا مشاركة". هناك الكثير من الأمور التي ما تزال "تمنعهم من الحصول على الجنسية الكاملة". والهدف ليس فقط الاهتمام بهم، بل "أن يشاركوا فعليًّا في المجتمع المدني والكنسي. وهذا مسار شاقّ ومُتعِب، لكنه سوف يساهم أكثر فأكثر في تكوين ضمائر قادرة على الاعتراف بكلّ شخصٍ على أنّه إنسانٍ فريد لا يتكرّر". أفكّر كذلك في "المسنّين الذين يشعرون أحيانًا، بسبب إعاقتهم، بأنهم عبء". ومع ذلك، يستطيع جميعهم تقديم "مساهمة فريدة للصالح العام من خلال سيرتهم الذاتية الفريدة". أسمح لنفسي بأن أؤكّد أنّه: يجب "أن تكون لدينا الشجاعة لإعطاء صوتٍ للذين يتعرّضون للتمييز بسبب إعاقتهم، لأن للأسف في بعض الدول، وحتى اليوم، يتردّدون في الاعتراف بأنهم قد مُنِحوا الكرامة نفسها"[77].

 

فهم غير كافٍ للمحبة الشاملة

 

  1. إن المحبّة التي تمتدّ خارج الحدود هي أساس ما نسمّيه "الصداقة الاجتماعية" في كلّ مدينة أو في كلّ بلد. وهذه الصداقة الاجتماعية داخل المجتمع، عندما تكون أصيلة، تشكّل شرط إمكانية لانفتاح شامل حقيقي. لا يتعلّق الأمر هنا بالكونيّة الخادعة التي يظهرها الذين يحتاجون للسفر باستمرار لأنهم لا يتحمّلون شعبهم أو لا يحبّونه. فكلّ من ينظر إلى شعبه نظرة احتقار، يُقيمُ في مجتمعه فئات من الدرجة الأولى أو الثانية، من أشخاص يتمتّعون بدرجات مختلفة من الكرامة والحقوق. وبهذه الطريقة ينكر أنّ هناك متّسع للجميع.

 

100.كما أنني لا أقترح شموليّة استبدادية ومجرّدة، أملاها البعض أو خطّط لها وعرضها على أنها مثال مزعوم هدفه التجانس والسيطرة والنهب. فهناك نموذج للعولمة "يهدف عن قصد إلى توحيدٍ أحاديّ البعد ويسعى إلى القضاء على جميع الاختلافات والتقاليد، في بحث سطحيّ عن الوحدة. […] إذا حاولت العولمة مساواة الجميع، كما لو كانوا جسمًا كرويًّا، فإن العولمة تدمّر غنى كلّ شخص وكلّ شعب وطابعه الفريد"[78]. ويقود هذا الحلمُ الشموليّ الكاذب إلى حرمان العالم من تنوّع ألوانه، وجماله، وبالتالي حرمانه أيضًا من إنسانيّته. لأن "المستقبل ليس "أحاديّ اللون"، ولكن، إذا كانت لدينا الشجاعة، فمِن الممكن أن ننظر إليه عبر تنوّعِ واختلافِ المساهمات التي يستطيع أن يقدّمها كلّ منكم. كم أنّ عائلتنا البشريّة تحتاج لأن تتعلّم العيش المشترك في وئام وسلام دون الحاجة لأن نكون جميعًا متشابهين!"[79].

 

واجب تخطّي عالم من الشركاء

 

101.لِنَعُد الآن إلى مَثَل السامريّ الصالح الذي لا يزال لديه الكثير ليقوله لنا. كان هناك رجل جريح في الطريق. والشخصيّات التي عبرت بقربه لم تركّز على هذه الدعوة الداخلية لإظهار قربها منه، بل ركّزوا على وظيفتهم، وعلى مكانتهم الاجتماعية، ودورهم المهمّ في المجتمع. يشعرون بعلوِّ شأنِهم في المجتمع المعاصر وما يهمّهم إنما هو الدور الذي يلعبونه فيه. وكان الرجل الجريح والمتروك على الطريق مصدر إزعاجٍ لهذا المشروع، وعرقلة، وهو من جهته شخص لا وظيفة له. كان مجرّد "نَكِرَة"، ولم يكن ينتمي إلى مجموعة لها اعتبارها، ولم يكن له دور في بناء التاريخ. بينما قاوم السامري السخيّ هذه التصنيفات المغلقة، رغم أنه هو نفسه لم يكن ينتمي إلى أيّ من هذه الفئات، وكان بكلّ بساطة غريبًا، ليس له مكانة خاصّة في المجتمع. وهكذا، وهو غير مقيّد بأيّ لقب أو هيكلية، تمكّن من تعليق رحلته، ومن تغيير مشروعه، ومن أن يكون مستعدًّا للانفتاح على "مفاجأة" الرجل الجريح الذي يحتاج إليه.

 

102.ما هو ردّ الفعل الذي يمكن أن تثيره هذه الرواية اليوم، في عالمٍ تظهر وتزداد فيه باستمرار مجموعات اجتماعية تتشبّث بهويّة تفصلها عن الباقي؟ كيف يمكنها أن تحرّك الذين يميلون إلى تنظيم ذواتهم بطريقة تمنع أيّ حضور أجنبي قد يزعج تلك الهوية وذاك التنظيم ذات المرجعيّة-الذاتية والدفاع-الذاتي؟ لم يعد هناك في هذا الإطار، إمكانية لأن يصبح المرء "قريبًا"، من الممكن فقط أن يكون "قريبًا" مِن الذي يضمن له مكاسبه الشخصيّة. وهكذا لم يعد لكلمة "قريب" من معنى، فكلّ المعنى يُعطى لكلمة "شريك"، أي مَن هو شريك في مصالح معينة[80].

 

حرية، ومساواة وأخوّة

 

103.إن الأخوّة ليست مجرّد نتيجة لشروط احترام الحرّيات الفرديّة، أو حتى لبعض حقوق الإنصاف المُنَظَّم. ورغم أنها عوامل تمكين، إلّا أنها ليست كافية لأن تكون الأخوّة نتيجة حتمية لها. فللأخوّة شيءٌ إيجابيّ تقدمه للحرّية والمساواة. ماذا يحدث دون أُخُوّةٍ ننمّيها بوعي، ودون إرادةٍ سياسيّة للأخوّة، تُتَرجَم بالتربية على الأخوّة، والحوار، وعلى قِيَم المعاملة بالمثل والإغناء المتبادل؟ ما يحدث إنما هو تقلّص الحرّية، فتتحوّل إلى حالةِ انعزال، واستقلاليةٍ بحتة، ينتمي فيها المرء إلى شخص ما أو شيء ما، أو يعيش لمجرّد الامتلاك والاستمتاع. إنّ هذا لا يُظهِر أبدًا كلَّ غنى الحرّية التي تهدف قبل كلّ شيء إلى المحبّة.

 

104.وكذلك لا يتمّ تحقيق المساواة من خلال القول إنّ "جميع البشر متساوون" بشكل مجرّد، إنما هي نتيجة للتنمية الواعية والتربوية للأخوّة. فالأشخاص الذين ليس بقدرتهم إلّا أن يكونوا شركاء وحسب، يخلقون عوالم مغلقة. وما المعنى الذي يُعطى في هذا الإطار للشخص الذي لا ينتمي إلى دائرة الشركاء، ويأتي وهو يحلم بحياة أفضل لنفسه ولأسرته؟

 

105.إن الفرديّة لا تجعلنا أكثر حرّية، وأكثر مساواة، وأكثر أخوّة. ومجرّد مجموع المصالح الفردية ليس قادرًا على إنشاء عالم أفضل للبشرية جمعاء. لا يمكنه حتى أن يحمينا من الشرور العديدة التي أصبحت أكثر فأكثر عالمية. لكن الفيروس الذي يصعب التغلّب عليه هو الفرديّة الجذرية. فهي مضلّلة. تجعلنا نعتقد أنّ كلّ ما يهمّ هو إطلاق العنان لطموحاتنا الخاصّة، كما لو أنّ تجميع الطموحات الفرديّة والضمانات يمكّننا من بناء الخير العام.

 

محبّة شاملة تعزّز الأشخاص

 

106.هناك شيء جوهريّ وأساسيّ علينا أن ندركه حتى نسير نحو الصداقة الاجتماعية والأخوّة الشاملة: وهو مقدار قيمة الإنسان، قيمة الشخص، على الدوام وفي أيّ ظرف كان. إذا كان كلّ شخص له قيمة عالية، فيجب القول بشكل واضح وثابت أن: "بمجرّد أن يولد أناس في مكان يتمتع بموارد أقلّ أو بتطوّر أقلّ، فهذا لا يبرّر أن يعيشوا في كرامة أقلّ"[81]. إنّ هذا المبدأ هو جوهريّ للحياة الاجتماعية، لكن غالبًا ما يتجاهله، وبطرق مختلفة، الذين يشعرون أنه لا يناسب نظرتهم للعالم أو لا يخدم أغراضهم.

 

107.لكلّ إنسان الحقّ في العيش بكرامة والتمتّع بتطوّر كامل، ولا تستطيع أيّة دولة أن تنكر هذا الحقّ الأساسيّ. كلّ إنسان يملك هذا الحقّ حتى لو كان قليل الفعاليّة، حتى لو ولد أو نشأ وله محدوديّته: لأن هذا لا ينتقص من كرامته العظيمة كإنسان، والتي لا تقوم على الظروف بل على قيمة كيانه. عندما لا يُحتَرم هذا المبدأ الأساسي، لا يوجد مستقبل للأخوّة ولا لبقاء البشرية.

 

108.هناك مجتمعات تقبل هذا المبدأ جزئيًا. تقبل بأن يكون هناك إمكانيّات للجميع، لكنها تقول إنّ كلّ شيء، انطلاقًا من هذا، يتوقّف على المرء. من هذا المنظور الجزئي، لن تكون هناك فائدة من "تكريس الذات كي يتمكّن الذين هم في المؤخرة والضعفاء والمحرومون، من شقّ طريق في الحياة"[82]. فالتكرّس لصالح الضعفاء قد لا يكون مُربِحًا، وقد يكون أقلّ كفاءة. إنه يتطلّب دولة حاضرة وناشطة، ومؤسّسات من المجتمع المدني تتخطّى حرّية الآليات الفعّالة لبعض الأنظمة الاقتصادية أو السياسية أو الإيديولوجية، لأنها موجّهة في المقام الأوّل إلى الناس والخير العام.

 

109.يولد البعض في عائلات ميسورة الحال، ويتلقّون تربية جيّدة، وينمون ويتغذّون بشكل جيّد، أو يمتلكون بطبيعتهم قدرات رائعة. من المؤكّد أنهم لن يحتاجوا إلى دولة ناشطة، وسيطالبون بالحرّية وحسب. ولكن من الواضح أنّ القاعدة نفسها لا تناسب الشخص المعاق، أو الشخص الذي ولد في منزل شديد الفقر، أو الشخص الذي نال تربية سيّئة، والفرص كانت ضئيلة كي يعالج أمراضه بشكل مناسب. إذا كان المجتمع يقوم في المقام الأوّل على معايير حرّية السوق وكفاءته، فلن يكون هناك مكان لهم، وستكون الأخوّة تعبيرًا رومانسيًّا على الأكثر.

 

110.الحقيقة هي أنّ "مجرّد التغنّي بالحريّة الاقتصادية، بينما في الواقع تمنع الأوضاع الحقيقية الكثيرين من الوصول إليها ... هو خِطاب متناقض"[83]. وتَفقِد بعض الكلمات معناها مثل الحرّية والديمقراطية والأخوّة. لأنّ الحقيقة هي أنّه "طالما أنّ نظامنا الاقتصادي والاجتماعي يولّد ضحيّة واحدة، ولا يوجد سوى شخص واحد مُستَبعَد، لن نتمكّن من الاحتفال بالأخوّة الشاملة"[84]. أمّا المجتمع الإنساني والأخويّ فهو قادرٌ على الاهتمام بضمان مرافقة الجميع في حياتهم، بطريقة فعّالة ومستقرة، ليس فقط من أجل تأمين احتياجاتهم الأساسية، ولكن حتى يتمكّنوا من تقديم أفضل ما لديهم، حتى لو لم يكن أداؤهم الأفضل، ولو كانوا بطيئين، ولو لم يكونوا ذوي كفاءات باهرة.

 

111.إن الإنسان، بفعل حقوقه غير القابلة للتصرّف، منفتحٌ طبعًا على العلاقات. فالدعوة إلى تجاوز ذاته عبر اللقاء مع الآخرين تكمن في جذوره. ولذا، "من الضروري الانتباه حتى لا نقع في بعض الأخطاء التي قد تنجم عن سوء فهمٍ لحقوق الإنسان، وسوء استخدامها. هناك اليوم، في الواقع، ميلٌ نحو مطالبة متزايدة بالحقوق الفردية –أكاد أقول ذات نزعة فرديّة- يخفي مفهومًا للإنسان يفصله عن أيّ سياق اجتماعيّ وأنثروبولوجيّ، يشبه الجوهر الفرد، ويفتقر أكثر فأكثر للإحساس. […] إذا لم يكن هناك تناسق بين حقّ كلّ شخص والخير الأعظم، فسوف يتوصّل إلى تصوّر ذاته دون حدود تقيّده، ويصبح بالتالي مصدر صراع وعنف"[85].

 

تعزيز قِيَم الخير الخُلُقية

 

112.لا يسعنا إلّا أن نقول إنّ الرغبة والسعي وراء خير الآخرين والبشرية جمعاء تعني أيضًا السعي إلى نضوج الأفراد والمجتمعات على مستوى القيم الخُلُقية المختلفة التي تقود إلى تنمية بشرية متكاملة. هناك ثمرة للروح القدس يذكرها العهد الجديد (را. غل 5، 22)، بعبارة agathosyneاليونانية. تشير هذه العبارة إلى التعلّق بالخير، السعي وراء الخير. وتعني أيضًا، إعطاء أثمن ما عندنا، إعطاء الأفضل للآخرين: نضوجهم، ونموّهم في حياة سليمة، وممارسة القيم وليس الرفاه المادّي وحسب. هناك تعبير لاتيني مشابه: bene-volentia، أي "إرادة الخير للآخر". إنها رغبةٌ قويّة في الخير، وميلٌ نحو كلّ ما هو خيّر وممتاز، إنها ما يدفعنا إلى مَلء حياة الآخرين بأمور جميلة وسامية وملهِمة.

 

113.في هذا الخط، أعود فأشير بألمٍ إلى أننا "قد عرفنا حقًا التدهور الخُلُقي لمدّة طويلة، مستهزئين بالأخلاقيّات، وبالصلاح، وبالإيمان، وبالصدق، وقد حانت الساعة لندرك أنّ هذه الفرحة السطحيّة لم تخدمنا كثيرًا. إنّ هذا التدمير لكلّ أساس للحياة الاجتماعية سوف يدفع كلًّا منّا للوقوف ضدّ الآخر من أجل الدفاع عن المصالح الشخصيّة"[86]. دعونا نعود إلى تعزيز الخير، من أجل أنفسنا ومن أجل البشرية جمعاء، فنسير بالتالي معًا نحو نموّ حقيقي وشامل. فكلّ مجتمع يحتاج إلى ضمان انتقال القيم، لأنه إذا لم تُنقَل القِيم، فسوف تُنقل الأنانية والعنف والفساد بأشكاله المختلفة، واللامبالاة، وفي نهاية المطاف تُنقَل حياةٌ مغلقة أمام كلّ سموّ، ومسيّجة بالمصالح الفرديّة.

 

قيمة التضامن

 

114.أريد أن أسلّط الضوء على التضامن، الذي يتطلّب، "كفضيلة خُلُقية وموقف اجتماعي، ثمرةَ الارتداد الشخصي، التزامًا من قبل أطراف متعدّدة تحمل مسؤوليّات تربويّة وتأسيسيّة. يتّجه فكري في المقام الأوّل إلى العائلات، المدعوّة إلى رسالة تربوية أوّلية وحاسمة. إنها تشكّل المكان الأوّل حيث تُمارَس وتُنقل قيم المحبّة والأخوّة والتعايش والمقاسمة والاهتمام والاعتناء بالآخر. إنها أيضا البيئة المميّزة لنقل الإيمان، بدءًا من أولَى بوادر التقوى البسيطة التي تعلّمها الأمهات لأبنائهن. وبالنسبة للمربّين والمنشّئين في المدارس ومختلف المراكز التي تجمع الأطفال والشباب، والذين لديهم واجب تربية الأطفال والشبان، فإنّهم مدعوّون لأن يُدركوا أنّ مسؤوليتهم تتعلّق بأبعاد الشخص الخُلُقية والروحية والاجتماعية. إنّ قيم الحرّية والاحترام المتبادل والتضامن يمكن نقلها منذ سنين الطفولة الأولى. [...] وللعاملين في حقل الثقافة ووسائل الاتصالات الاجتماعية مسؤوليةٌ في مجال التربية والتنشئة، خصوصًا في المجتمعات المعاصرة، حيث تتسّع إمكانية الدخول إلى وسائل الإعلام والاتصالات"[87].

 

115.في هذه الأوقات التي يبدو كلّ شيء فيها كأنه يضعف ويفقد اتّساقه، من الجيّد لنا أن نستند على الصلابة[88] التي تنبع من معرفتنا بمسؤوليتنا تجاه ضعف الآخرين فنبحث عن مصير مشترك. يظهر التضامن بشكل ملموس في الخدمة، ويمكنه أن يتخّذ أشكالًا مختلفة تمامًا في تحمّل مسؤولية الآخرين. "فالخدمة تعني أولًا الاعتناء بالهشاشة؛ تعني الاعتناء بمن هم ضعفاء في عائلاتنا، وفي مجتمعنا وفي شعبنا". وفي هذه المهمّة يستطيع كلّ فرد أن "يضعَ جانبًا مخاوفَه وتطلّعاته ورغباته في السلطة إزاء نظرة الضعفاء الملموسة. [...] فالخدمة تنظر دائمًا إلى وجه الأخ، وتلمس جسده، وتشعر بقربه لدرجة "التألّم معه" في بعض الأحيان، وتعمل على الرفع من شأن الأخ. لذا، فالخدمة ليست أبدًا أيديولوجية، لأنها لا تخدم أفكارًا إنما أشخاصًا"[89]. 

 

116.إن الأخيرين بشكل عام "يمارسون ذلك التضامن المميّز الذي نجده بين الذين يعانون، بين الفقراء، والذي يبدو أنّ حضارتنا قد نسيته، أو على الأقلّ هي حريصة على نسيانه. كلمة التضامن لا تثير الاعجاب دائمًا، بل أقول إننا قد حوّلناها أحيانًا إلى كلمة سيئة، لا يمكن قولها؛ لكن الكلمة تعبّر أكثر بكثير من بعض الأعمال السخيّة المتقطّعة. التضامن يعني التفكير والتصرّف من منطق الجماعة، وأولويّة حياة الجميع على استملاك البعض للخيرات. ويعني أيضًا محاربة الأسباب الهيكليّة للفقر، وعدم المساواة، وغياب العمل والأرض والسكن، والحرمان من الحقوق الاجتماعية وحقوق العمل. يعني كذلك مواجهة تبعات إمبراطورية المال المدمِّرة. […] التضامن، الذي يُفهم بمعناه العميق، هو طريقة لصنع التاريخ، وهذا ما تفعله الحركات الشعبية"[90].

 

117.عندما نتحدّث عن رعاية البيت المشترك الذي هو الكوكب، إنما نستند إلى الحدّ الأدنى من الوعي العالمي ومن الاهتمام بالرعاية المتبادلة الذي ما زال موجودًا لدى الأشخاص. لأنه إذا كان أحدُهم يملكُ الماءَ بوفرة، ومع ذلك يهتمّ به مفكّرًا في الإنسانية، فذلك لأنه توصّل إلى مستوى خُلُقيٍّ راقٍ يسمح له بتخطّي ذاته وجماعته. هذا تصرّف إنسانيّ رائع! هذا الموقف بالذات هو المطلوب في سبيل الاعتراف بحقوق جميع البشر، حتى لو ولدوا خارج حدودهم.

 

إعادة اقتراح الدور الاجتماعي للملكيّة

 

118.لقد وجِدَ العالمَ من أجل الجميع، لأننا جميعًا، نحن البشر، نولد على هذه الأرض بالكرامة نفسها. إنّ الاختلافات في اللون والدين والقدرات ومكان الولادة ومكان الإقامة وغيرها الكثير، لا يمكن أن تتعارض أو تُستَخدم من أجل تبرير امتيازات البعض على حساب حقوق الجميع. لذلك، علينا كمجتمع، أن نلتزم بضمان وصول كلّ شخص لأن يعيش بكرامة وحصوله على فرص كافية لتنمية متكاملة.

 

119.طوّر العديدُ من الحكماء، في القرون الأولى للإيمان المسيحي، حسًّا عالميًّا في تأمّلهم حول قَدَر خيرات الخليقة أن تكون مُشتَرَكة[91]. وقاد هذا إلى التفكير إلى أنه إذا لم يكن لدى المرء ما يكفي للعيش بكرامة، فذلك لأن شخصًا آخر يحتفظ به. يلخّصه القدّيس يوحنا الذهبي الفم بقوله "إن عدم مشاركة الخيرات الخاصّة مع الفقراء يعني سرقتهم وحرمانهم من حياتهم. فالخيرات التي لدينا ليست ملكنا، إنما ملكهم"[92]. أو فضلًا عن كلمات القدّيس غريغوريوس الكبير هذه: "عندما نعطي الفقراء أيّ شيء كان، فإننا لا نعطيهم أشياءَنا، بل نعيد لهم ما هو ملكهم"[93].

 

120.أتبنّى من جديد بعض كلمات للقدّيس يوحنا بولس الثاني وأقترحها على الجميع، لربما لم تُفهَم قوّتها: "قد وهب اللّه الأرض لجميع أبناء البشر لتُعيلهم كلّهم، بدون استثناء لأحد"[94]. في هذا الصدد، أذكّر أنّ "التقليد المسيحيّ لم يَعتَبِر أبدًا الحقَّ بالملكيّة الخاصّة أمرًا مطلقًا أو غير قابل للتغيير، وقد سلّط الضوء على الدَورِ الاجتماعيّ لأيّ شكل من أشكال الملكيّة الخاصّة"[95]. إنّ مبدأ الاستخدام المشترك للخيرات التي خُلِقَت للجميع هو "المبدأ الأوّل للنظام الأخلاقي والاجتماعي بكامله"[96]، وهو حقّ طبيعي وأصيل وذو أولوية[97]. أمّا جميع الحقوق الأخرى التي تتعلّق بالخيرات اللازمة لتحقيق الإدماج الكامل للأشخاص، بما في ذلك الملكيّة الخاصّة وأيّ حقوق أخرى، "فيجب ألاّ تعيق تحقيقه بل تسهّله" كما أكّده القدّيس بولس السادس[98]. لا يمكن النظر إلى الحقّ في الملكيّة الخاصّة إلّا كحقّ طبيعيّ ثانوي ومشتقّ من مبدأ كون الخيرات المخلوقة قد قُدِّرَت لينعم بها العالم بأسره، وله عواقب ملموسة للغاية يجب أن تنعكس في سير عمل المجتمع. ولكن غالبًا ما تتداخل الحقوق الثانوية مع الأولوية والأصلية، فتغدو دون أيّ فائدة عملية.

 

حقوق بلا حدود

 

121.لذلك لا يمكن استبعاد أحد بسبب مكان ولادته، أو بدافع الامتيازات التي يتمتّع بها آخرون لكونهم ولدوا في أماكن ذات إمكانيّات أكبر. لا تستطيع حدود الدول أن تمنع تحقيق ذلك. وكما أنه من غير المقبول أن يتمتّع شخص بحقوق أقلّ لكونه امرأة، كذلك من غير المقبول أن يُحِدَّ مكانُ الولادة أو الإقامة في حدّ ذاته مٍن فرص حياة كريمة ونموّ.

 

122.يجب ألّا يكون هدف التنمية هو التراكم المتزايد لثروات الأقلّية، بل يجب أن تضمن "الحقوق الإنسانية، الفردية والاجتماعية، والاقتصادية والسياسية، بما فيها حقوق الأمم والشعوب"[99]. لا يمكن أن يتجاوز حقُّ البعضِ في حريّة إقامة المؤسّسات أو السوق، حقوقَ الشعوبِ وكرامة الفقراء، ولا احترامَ البيئة لأن "مَنْ يمتلك جزءًا منها فهو فقط لإدارته لصالح الجميع"[100].

 

123.صحيح أنّ نشاط رجال الأعمال هو "دعوة نبيلة تهدف لإنتاج الغنى وتحسين العالم من أجل الجميع"[101]. الله يساندنا، وينتَظِر منّا أن نطوّر القدرات التي أعطانا إياها، وقد ملأ الكون بالإمكانيات. وكلّ شخص، في تدبير الله، هو مدعوّ لتعزيز تنميته الشخصيّة[102]، وهذا يشمل تنمية القدرات الاقتصادية والتكنولوجية في سبيل تنمية الخيرات وزيادة الغنى. ولكن وبأيّ حال، إنّ قدرات أصحاب العمل هذه، التي هي هبة من الله، يجب أن تهدف بشكل واضح إلى تنمية الآخرين والتغلّب على البؤس، خاصّة من خلال خلق فرص عمل متنوّعة. فهناك دومًا، إلى جانب حقّ الملكيّة الخاصّة، الحقّ الأهمّ والأسبق الذي يُخضِع جميع الممتلكات الخاصّة لمبدأ كون خيرات الأرض قد قُدّرَت لينعم بها العالم بأسره، وبناءً عليه، هناك حقّ للجميع في استخدامها[103].

 

 

 

حقوق الشعوب

 

124.إن الاقتناع اليوم بكونِ خيرات الأرض قد قُدِّرَت لتكون مُشترَكة يتطلّب أن ينطبق أيضًا على البلدان وأراضيها ومواردها. إذا نظرنا إليه، ليس فقط انطلاقًا من شرعية الملكية الخاصّة وحقوق مواطني دولة معيّنة، إنما أيضًا من المبدأ الأوّل لكون الخيرات قد قُدِّرَت لتكون مُشترَكة، فيمكننا القول إنّ كلّ بلد هو بلد الشخص الأجنبي أيضًا، إذ لا يجوز حرمان شخص محتاج يأتي من مكان آخر من خيرات الأرض. لأنه، كما علّم أساقفة الولايات المتحدة، هناك حقوق أساسية "تسبق أيّ مجتمع لأنها تنبع من الكرامة الممنوحة لكلّ شخص خلقه الله"[104].

 

125.ويفترض هذا أيضًا طريقة أخرى لفهم العلاقات والتبادل بين البلدان. إذا كان لكلّ شخص كرامة غير قابلة تصرّف، وإذا كان كلّ إنسان أخًا أو أختًا لي، وإذا كان العالم في الواقع مُلكًا للجميع، فلا يهمّ إذا وُلد الشخص هنا أو يعيش خارج حدود بلده. فبلدي يشارك أيضًا في مسؤوليّة تنميته، حتى وإن كان يستطيع أن يفي بهذه المسؤولية بطرق مختلفة: يقدّم له الضيافة بسخاء عندما يكون بحاجة ماسّة إليها، أو يساعده في أرضه، أو يمتنع عن استخدام أو إفراغ الموارد الطبيعية لبلدان بأكملها من خلال تعزيز النظم الفاسدة التي تعوق التنمية الكريمة للشعوب. هذا الأمر الذي ينطبق على الدول، ينطبق أيضًا على مختلف المناطق في البلدان، والتي غالبًا ما تشهد حالات مفرطة من عدم المساواة. لكن عدم القدرة على الاعتراف بالكرامة الإنسانية المتساوية يقود أحيانًا إلى أن تحلم المناطقُ الأكثر تقدّمًا في بعض البلدان بالتحرّرِ من "عبء" المناطق الأكثر فقراً في سبيل زيادة مستوى استهلاكها.

 

126.نتحدّث عن شبكة جديدة في العلاقات الدولية، لأننا لن نجد طريقة لحلّ المشاكل الخطيرة في العالم إذا اكتفينا بالتفكير من حيث المساعدة المتبادلة بين الأفراد أو المجموعات الصغيرة. نذكّر أنّ "عدم المساواة لا يصيب الأفراد فقط، وإنما بلدان بأكملها، ويفرض التفكير في أخلاقيّات العلاقات الدوليّة"[105]. وتتطلّب العدالة بأن نعترف ونحترم ليس فقط حقوق الأفراد لكن أيضًا الحقوق الاجتماعية وحقوق الشعوب[106]. إنّ ما نقوله يعني ضمان "الحقّ الأساسي للشعوب في العيش والتقدّم"[107]، والذي يعوقه أحيانًا بشدّة الضغطُ الناجم عن الديون الخارجية. إنّ سداد الدين، في كثير من الحالات، لا يعرقل التنمية فحسب، بل يحدّها ويقيّدها بشدّة. رغم ضرورة الحفاظ على مبدأ وجوب سداد جميع الديون التي تمّ التعاقد عليها بشكل شرعي، فإنّ طريقة وفاء هذا الواجب الذي يدين به العديد من البلدان الفقيرة تجاه دول غنية، يجب ألّا يهدّد مصدرَ رزقها ونموّها.

 

127.وهذا بلا شك منطقٌ آخر. إذا لم نحاول الدخول في هذا المنطق، فستبدو كلماتي كأنها أوهام. ولكن إذا قبلنا المبدأ العظيم، أي مبدأ الحقوق التي تنبثق من مجرّد امتلاك الكرامة الإنسانية غير القابلة للتصرّف، فمن الممكن قبول التحدّي: بأن نحلم ونفكّر في إنسانية أخرى. من الممكن التوق إلى كوكب يؤمِّن للجميع الأرضَ والمسكنَ والعمل. هذا هو الطريق الحقيقي للسلام، وليس الاستراتيجية الفارغة وقصيرة النظر التي تبثّ الخوف وعدم الثقة إزاء التهديدات الخارجية. لأن السلام الحقيقي والدائم هو ممكن فقط "من خلال أخلاقيّات عالميّة تتحلّى بالتضامن والتعاون في خدمة مستقبل يرتكز على الاعتماد المتبادل والمسؤولية المشتركة في الأسرة البشرية بأكملها"[108].

 

 

الفصل الرابع

 

قلب منفتح على العالم أجمع

 

 

 

128.إذا كان التأكيد على أن جميع البشر هم إخوة وأخوات ليس مفهومًا مجرّدًا وحسب، بل يتجسّد ويصبح ملموسًا، فإنه يقدّم لنا سلسلة من التحدّيات التي تهزّنا، وتجبرنا على تبنّي وجهات نظر جديدة وتطوير ردود فعل جديدة.

 

محدودية الحدود

 

129.عندما يكون القريب شخصًا مهاجرًا، تزداد التحدّيات المعقّدة[109]. صحيح أنّ الأفضل هو تجنّب الهجرات غير الضرورية، ولذا فالسبيل هو خلق إمكانية ملموسة للعيش والنموّ بكرامة في بلدان المنشأ، بحيث تتواجد فيها كلّ الشروط من أجل تنمية متكاملة للإنسان. ولكن طالما أنه لا يوجد تقدّم جادّ في هذا الصدد، فيجب علينا احترام حقّ كلّ إنسان في إيجاد مكان حيث لا يمكنه فقط تلبية احتياجاته الأساسيّة واحتياجات عائلته إنما أيضًا تحقيق ذاته بالكامل كشخص. يمكن تلخيص جهودنا تجاه المهاجرين القادمين في أربعة أفعال: استقبال وحماية وتعزيز ودمج. لأن "الأمر لا يتعلّق بإنزال برامج رعاية اجتماعية من العلى، بل القيام معًا بمسيرة من خلال هذه الافعال الأربعة، لبناء مدن ودول تكون، مع الحفاظ على هوياتها الثقافية والدينية، منفتحة على الاختلافات وقادرة على تقييمها باسم الأخوّة الإنسانية"[110].

 

130.إن هذا يعني ضرورة التفاعل، ولا سيما تجاه الذين هربوا من أزمات إنسانية خطيرة. على سبيل المثال: زيادة وتسهيل عملية منح التأشيرات، واعتماد برامج دعم خاصّة وجماعيّة، وفتح ممرّات إنسانية للاجئين الأكثر ضعفًا، وتوفير سكن ملائم ولائق، وضمان السلامة الشخصية والحصول على الخدمات الأساسيّة، وضمان مساعدة قنصلية مناسبة، والحقّ في الاحتفاظ دومًا بوثائق الهوية الشخصية، وحصول مُنصِف على العدالة، وإمكانية فتح حسابات مصرفية وضمان الأمور الأساسية للعيش، ومنحهم حرّية التنقّل وإمكانيّة العمل، حماية القُصّر وضمان حصولهم المنتظم على التعليم، وتوفير برامج حضانة مؤقّتة أو ضيافة، وضمان الحرّية الدينية، وتعزيز اندماجهم الاجتماعي، ولمّ شمل الأسرة وإعداد الجماعات المحلّية لعمليّات الادماج[111].

 

131.أمّا بالنسبة للذين وصلوا منذ فترة طويلة وينتمون إلى النسيج الاجتماعي، فمن المهمّ تطبيق مفهوم «المواطنة»، الذي "يقومُ على المُساواةِ في الواجباتِ والحُقوقِ التي يَنعَمُ في ظِلالِها الجميعُ بالعدلِ؛ لذا يَجِبُ العملُ على ترسيخِ مفهومِ المواطنةِ الكاملةِ في مُجتَمَعاتِنا، والتخلِّي عن الاستخدام الإقصائيِّ لمصطلح «الأقليَّاتِ» الذي يَحمِلُ في طيَّاتِه الإحساسَ بالعُزْلَةِ والدُّونيَّة، ويُمهِّدُ لِبُذُورِ الفِتَنِ والشِّقاقِ، ويُصادِرُ على استحقاقاتِ وحُقُوقِ بعض المُواطِنين الدِّينيَّةِ والمَدَنيَّةِ، ويُؤدِّي إلى مُمارسةِ التمييز ضِدَّهُم"[112].

 

132.إضافة إلى مختلف الإجراءات الضرورية، لا يمكن للدول أن تضع حلولًا مناسبة بمفردها "لأن نتائج اختيار كلّ بلد تقع، بالضرورة، على كلّ المجتمع الدولي". لذلك، فلا "يمكن للردّ أن يأتي إلّا كثمرة للعمل المشترك"[113]، ووضع تشريع (حوكمة governance) عالميّ للهجرة. على أيّ حال، يجب "وضع مشاريع على المدى المتوسّط والبعيد، تتخطّى التجاوب مع الحالات الطارئة. على هذه المشاريع أن تساعد على دمج المهاجرين في البلدان المضيفة من جهة، وتعزيز التنمية في بلدان المنشأ من جهة أخرى، عن طريق سياسات تضامنية، لا تُخضِع المساعدات إلى استراتيجيّات وممارسات غريبة أو متضاربة أيديولوجيًا مع ثقافة الشعوب التي توجَّه لها"[114].

 

الهبات المتبادلة

 

133.إن مجيء أشخاص مختلفين، آتين من سياق حيويّ وثقافيّ مختلف، يتحوّل إلى هبة، لأن "قصص المهاجرين هي أيضًا قصص لقاء بين أفراد وبين ثقافات: فالمهاجرون يشكّلون، بالنسبة للجماعات والمجتمعات التي يأتون إليها، فرصة للإثراء والتنمية البشرية المتكاملة للجميع"[115]. لهذا السبب، "أحثّ الشبيبة بصفة خاصّة، على عدم الوقوع في مصايد الذين يريدون وضعهم في مواجهة مع شبيبة آخرين وصَلُوا حديثًا إلى بلدانهم، ويشجّعونهم على أن يروا فيهم تهديدًا لهم، كأنهم لا يتمتّعون بنفس الكرامة غير القابلة للتصرّف التي يتمتّع بها كلّ إنسان"[116].

 

134.من ناحية أخرى، عندما نقدّم للآخر المختلف عنّا ضيافة قلبية، فإننا نسمح له بالاستمرار في كونه هو نفسه، ونمنحه في الوقت ذاته إمكانية تطوّر جديد. من الواجب أن نحافظ على الثقافات المتنوّعة، التي طوّرت غناها على مرّ القرون، حتى لا نُفقِر هذا العالم. ونستمرّ في الوقت ذاته في تحفيزهم على أن يعطوا من ذواتهم كلَّ جديد نتيجة لقائهم بحقائق أخرى. لا يمكن تجاهل خطر وقوعهم ضحيّة التصلّب الثقافي. لهذا، فنحن "بحاجة إلى التواصل، واكتشاف غنى كلّ شخص، وتقييم ما يوحّدنا، والنظر إلى الاختلافات كإمكانية للنموّ في إطار احترام الجميع. من الضروري أن يُقام حوار صبور وواثق، كي يتمكّن الأشخاص والعائلات والجماعات من نقل قيم ثقافتهم الخاصّة وقبول الخير الصادر عن خبرات الآخرين"[117].

 

135.أسترجع أمثلة ذكرتها منذ فترة: الثقافة اللاتينية هي "خميرة قيمٍ وإمكانيّات تستطيع أن تفيد بشكل كبير الولايات المتّحدة. […] فالهجرة القويّة تتوصّل دائمًا لأن تترك آثارها في ثقافة المكان وتحوّله. في الأرجنتين، تركت الهجرة الإيطاليّة القويّة بصماتها في ثقافة المجتمع، كما وأنّ وجود حوالي مِئَتَي ألف يهودي يظهر بشكل واضح في النمط الثقافي في بوينس آيرس. إنّ المهاجرين، إذا ساعدناهم على الاندماج، إنما هم نعمة، وغنى، وهبة جديدة تدعو المجتمع إلى النموّ"[118].

 

136.مع فضيلة الإمام الأكبر، شيخ الأزهر الشريف، الدكتور أحمد الطيب، وسّعنا أفق نظرنا، وذكّرنا "أنَّ العلاقةَ بينَ الشَّرْقِ والغَرْبِ هي ضَرُورةٌ قُصوَى لكِلَيْهما، لا يُمكِنُ الاستعاضةُ عنها أو تَجاهُلُها، ليَغتَنِيَ كلاهما من الحَضارةِ الأُخرى عَبْرَ التَّبادُلِ وحوارِ الثقافاتِ؛ فبإمكانِ الغَرْبِ أن يَجِدَ في حَضارةِ الشرقِ ما يُعالِجُ به بعضَ أمراضِه الرُّوحيَّةِ والدِّينيَّةِ التي نتَجَتْ عن طُغيانِ الجانبِ الماديِّ، كما بإمكانِ الشرق أن يَجِدَ في حضارةِ الغربِ كثيرًا ممَّا يُساعِدُ على انتِشالِه من حالاتِ الضعفِ والفُرقةِ والصِّراعِ والتَّراجُعِ العلميِّ والتقنيِّ والثقافيِّ. ومن المهمِّ التأكيدُ على ضَرُورةِ الانتباهِ للفَوَارقِ الدِّينيَّةِ والثقافيَّةِ والتاريخيَّةِ التي تَدخُلُ عُنْصرًا أساسيًّا في تكوينِ شخصيَّةِ الإنسانِ الشرقيِّ، وثقافتِه وحضارتِه، والتأكيدُ على أهميَّةِ العمَلِ على تَرسِيخِ الحقوقِ الإنسانيَّةِ العامَّةِ المُشترَكةِ، بما يُسهِمُ في ضَمانِ حياةٍ كريمةٍ لجميعِ البَشَرِ في الشَّرْقِ والغَرْبِ بعيدًا عن سياسةِ الكَيْلِ بمِكيالَيْنِ"[119].

 

التبادل المثمر

 

137.إن المساعدة المتبادلة بين الدول تعود بالفائدة على الجميع في النهاية. والبلد الذي يتقدّم انطلاقًا من ركيزته الثقافية الأصلية، هو كنز للبشرية جمعاء. يجب علينا أن ننمّي الوعي بأننا اليوم إمّا أن نخلص جميعًا أو لا يخلص أحد. فالفقر، والتدهور، والمعاناة التي تطال مكان ما على وجه الأرض، هي مهدٌ خصب صامت للمشاكل التي ستؤثّر في النهاية على الكوكب بأكمله. وإذا كنّا قلقين بشأن اختفاء بعض أنواع المخلوقات، فيجب أن نكون مهووسين بوجود أشخاص وشعوب، في كلّ مكان، لا ينمّون إمكاناتهم وجمالهم بسبب الفقر أو بداع قيود هيكليّة أخرى. لأن هذا سوف يفقرنا جميعًا.

 

138.وإذا كان هذا صحيحًا، فقد بُرهِن اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، نظرًا لواقعِ عالمٍ مرتبط جدًا بفعل العولمة. إننا بحاجة إلى نظام قضائيّ وسياسيّ واقتصاديّ عالميّ "يُسهِمُ في زيادةِ التعاونِ الدولي وتوجيهِهِ نحوَ تنميةٍ تضامنيةٍ لجميعِ الشعوب"[120]. وهذا سيعود بالفائدة على الكوكب بأسره في نهاية المطاف، لأن "المساعداتِ لتنميةِ الدولِ الفقيرةِ" تعني "اكتساب الثروةِ للجميع"[121]. ومن وجهة نظر التنمية المتكاملة، فهذا يعني "إعطاء الدوَلِ الأشدِّ فقرًا دورًا فعّالًا في اتّخاذِ القراراتِ المشتركة"[122] وبذل الجهود "لتشجيع وصول البلدان التي تتّسم بالفقر والتخلّف، إلى السوق الدولية"[123].

 

مجّانيةٌ مِضيافة

 

139.ومع ذلك، لا أريد أن يقتصر هذا البحث على شكل من أشكال النفعيّة. فالمجّانية موجودة. إنها القدرة على القيام ببعض الأشياء لأنها صالحة بحدّ ذاتها، دون أن نتوقّع منها أيّ نتائج، دون أن ننتظر شيئًا في المقابل على الفور. هذا يسمح بأن نرحّب بالغريب، حتى لو أنّ ذلك لا يعود بفائدة ملموسة في الوقت الحالي. ولكن هناك دول تسعى لاستقبال العلماء أو المستثمرين فقط.

 

140.كلّ شخص لا يعيش المجّانية الأخويّة، يحوّل حياته إلى تجارة منهمكة، يقيس باستمرار ما يعطيه للآخرين وما يناله بالمقابل. أمّا الله، فيعطي مجّانًا، حتى أنه يساعد غيرَ المؤمنين، و "يُطلِعُ شَمْسَه على الأَشرارِ والأَخيار" (متى 5، 45). ولذا يعطي يسوع هذه الوصيّة: "إِذا تصَدَّقْتَ، فلا تَعلَمْ شِمالُكَ ما تَفعَلُ يَمينُكَ، لِتكونَ صَدَقَتُكَ في الخُفْيَة" (متى 6، 3- 4). لقد نلنا الحياة مجانًا، ولم ندفع ثمنها. لذلك يمكننا جميعًا أن نعطي دون أن ننتظر شيئًا، وأن نفعل الخير دون أن نطالب بشيء الشخصَ الذي ساعدناه. هذا ما قاله يسوع لتلاميذه: "أَخَذتُم مَجَّاناً فَمَجَّاناً أَعطوا" (متى 10، 8).

 

141.إنّ الجودة الحقيقية التي تميّز مختلف دول العالم تُقاس من خلال هذه القدرة على التفكير ليس فقط باعتبارها دولة، إنما أيضًا باعتبارها عائلة بشريّة، وهذا يُبرهَن بشكل خاصّ في الأوقات العصيبة. وتُظهِر القوميّات المغلقة في نهاية المطاف عدمَ قدرتها على عيش المجّانية، ويبان خطأ اعتقادها بأنها تستطيع التطوّر على هامش خراب الآخرين، وأنها، بانغلاقها على البقية، سوف تنعم بحماية أكبر. يُنظر إلى المهاجر كأنه طاغٍ، ليس لديه ما يقدّمه. وهكذا، يتصوّر المرء بسذاجة أنّ الفقراء خطيرون أو عديمو الفائدة وأن الأقوياء هم مِن المحسنين الأسخياء. وحدها الثقافة الاجتماعية والسياسية التي تتضمّن استضافة مجانيّة يمكن أن يكون لها مستقبل.

 

المحلّي والعالمي

 

142.يجب أن نذكّر أنّ "هناك توتّر بين العولمة والمحلّية. من الضروري التنبّه للبعد العالمي حتى لا نقع في تفاهات يوميّة. وفي الوقت نفسه، يجب ألّا نغفل عمّا هو محلّي، وما يجعلنا نسير بواقعية. فإذا اتّحد هذان الأمران، منعانا من الوقوع في أحد هذين النقيضين: الأوّل، أن المواطنين يعيشون في شمولية مجرّدة تقود إلى العولمة [...]؛ والآخر، أن يتحوّل المواطنون إلى متحفٍ فولكلوري لنسّاك حبساء، قُضيَ عليهم بأن يردّدوا دومًا الأشياء نفسها، عاجزون عن أن يعنيهم ما هو مختلف وأن يقدّروا الجمال الذي يفيضه الله خارج حدودهم"[124]. ينبغي النظر إلى ما هو عالمي، إلى الذي ينقذنا من صِغَر النزعة المحلّية. فعندما يتحوّل المنزل من أسرة إلى سور، أو زنزانة، فإن العالم ينقذُنا لأنه مثل السبب النهائي الذي يجذبنا نحو الملء. في الوقت ذاته، علينا أن نتولّى أمر البعد المحلّي بودّية، لأنه يحتوي على شيء لا تمتلكه الشمولية: أن نكون خميرة، وأن نثري الآخرين، وأن نضع آليّات لمبدأ الإمدادية (Subsidiarité). لذلك، فإن الأخُوّة الشاملة والصداقة الاجتماعية داخل كلّ مجتمع، هما قطبان لا ينفصلان ويشتركان في الجوهر. أمّا فصلهما فيؤدّي إلى تشويه وإلى استقطابٍ مؤذ.

 

الصبغة المحلّية

 

143.إن الحلّ لا يكمن في انفتاحٍ يتنازل عن الغنى الذاتي. فكما أنه لا يوجد حوار مع الآخر بدون هويّة شخصيّة، كذلك لا يوجد انفتاح بين الشعوب إلّا انطلاقًا من حبّ الأرض، والشعب، وخصائصهم الثقافية. أنا لا ألتقي بالآخر إذا لم يكن لدي ركيزة أثبت عليها وأتجذّر فيها، لأنه من هذه الركيزة يمكنني قبول هبة الآخر وتقديم شيء حقيقي له. يمكنني أن أرحّب بالشخص المختلف وأدرك إسهامه الأصيل إذا كنت مترسّخًا في شعبي وفي ثقافته. كلّ شخص يحبّ أرضه ويعتني بها بمسؤولية خاصّة ويهتّم لشؤون وطنه، تمامًا كما يجب أن يحبّ كلّ شخص منزله ويعتني به حتى لا ينهار، لأن "الجيران" لن يفعلوا ذلك. كذلك يتطلّب خير الكون أن يحمي كلّ شخص أرضه ويحبّها. وإلّا، فإن عواقب كارثة بلد ما سوف تطال في نهاية المطاف الكوكبَ بأكمله. وهذا يستند إلى المعنى الإيجابي لحقوق الملكية: أنا أحافظ على شيء أملكه وأنمّيه، بحيث يستطيع أن يكون مساهمة في خير الجميع.

 

144.علاوة على ذلك، إن هذا افتراضٌ مُسبَق للتبادل السليم والمُغنِي. لأن خلفيّة تجربة الحياة في مكان مُعَّين وثقافة محدّدة هي ما يمكّن شخصًا ما من إدراك جوانب الواقع التي لا يستطيع الذين ليس لديهم هذه الخبرة إدراكها بسهولة. فما هو عالميّ لا ينبغي أن يكون سيطرةَ شكل ثقافيّ واحد، متجانس ومتشابه في الشكل والمعايير، والذي سيفقد في النهاية ألوان التعدّدية ويصبح مملًّا. إنها التجربة التي تظهر في رواية برج بابل القديمة: بَنَوا برجًا وصَلَ إلى السماء، لم يعبّر عن الوَحدة بين مختلف الشعوب القادرة على التواصل انطلاقًا من تنوّعها. بل كانت محاولة مضلّلة، نابعة من كبرياء الإنسان وطموحه بخلق وَحدة مختلفة عن الوَحدة التي أرادها الله للأمم في تدبيره الإلهي (را. تك 11، 1- 11).

 

145.هناك انفتاح كاذب على ما هو شامل، ينبع من السطحيّة الفارغة لدى الشخص غير القادر على التوغّل بعمق في وطنه، أو الذي يحمل في قلبه استياءً من شعبه لم يتحرّر منه بعد. على أيّ حال، «يجب توسيع أفق النظر على الدوام للتعرّف على خيرٍ أعظم يعود بالمنفعة على الجميع. لكن يجب أن يتمّ ذلك دون هروب ولا اقتلاع الجذور. من الضروري أن نعزّز جذورنا في الأرض الخصبة وفي تاريخ المكان الخاصّ الذي هو عطيّة من الله. ونعمل على صعيد صغير، مع ما هو قريب، ولكن من منظور أوسع. [...] فلا هو المجال العالمي الذي يبطل الشخصَ ولا الجزئية المنعزلة التي تُعْقِمُه"[125]، إنه المجتمع المتعدّد الوجوه، حيث "الكلّ أكثر من الجزء، وأكثر أيضًا من مجموع تلك الأجزاء"[126]، وحيث يُحتَرَم كلّ واحد في قيمته.

 

الأفق العالمي

 

146.هناك نرجسيّة ذات نزعة محلّية لا تعبّر عن حبّ سليم للشعب ولثقافته. تكُنُّ روحًا منغلقة تعطي الأفضلية لإنشاء جدران دفاعية بهدف الحفاظ على ذاتها، بسبب عدم الأمان والخوف من الآخر. لكن من غير الممكن أن تكون "محلّية" بشكل سليم دون انفتاح صادق وودود على العالم، دون الاهتمام بما يحدث في أجزاء أخرى من العالم، دون أن تثريها ثقافات أخرى أو بدون أن تتضامن مع مآسي الشعوب الأخرى. هذه النزعة المحلّية تنغلق بهوس حول بعض الأفكار والعادات والضمانات، وهي غير قادرة على إبداء الإعجاب إزاء العديد من الإمكانيّات والجمال التي يقدّمها العالم كلّه، وتفتقر إلى التضامن الأصيل والسخيّ. وبالتالي، لم تعد تتّسم الحياة المحلّية بتقبّلٍ أصيل، ولا تسمح للآخر بأن يكمّلها؛ لذلك، فإنها تحدّ من إمكانيات تنميتها، وتصبح جامدة وتَسقَم. لأن كلّ ثقافة سليمة في الواقع هي منفتحة ومُرَحِّبة بطبيعتها، بحيث أن كلّ "ثقافة بلا قيم شاملة، ليست ثقافة حقيقية"[127].

 

147.نلاحظ أنه كلّما قلّت السعة لدى المرء في عقله وفي قلبه، كلّما قَلَّت قدرتُه على تفسير الواقع القريب حيث هو منغمس. فمن الصعب أن يدرك ذاته وأرضه بشكل واضح وكامل، في غياب علاقة وتباين مع شخص مختلف، لأن الثقافات الأخرى ليست عدوّة علينا أن نحمي ذاتنا منها، إنما هي انعكاسات مختلفة لغنى الحياة البشرية الذي لا ينضب. إذا نظر كلّ منّا إلى ذاته عبر النقطة المرجعية للآخر، للمختلف، يمكنه أن يدرك بشكل أفضل خصوصيّات شخصه وثقافته: غناه وإمكانيّاته ومحدوديّته. الاختبار الذي يعيشه أشخاصٌ في مكان ما يجب أن يتطوّر "بمواجهة" و "بتناغم" مع تجارب الآخرين الذين يعيشون في سياقات ثقافية مختلفة[128].

 

148.الانفتاح السليم في الواقع، لا يهدّد الهوية أبدًا. لأن الثقافة الحيّة، حين تُضيف إلى غناها عناصر من أماكن أخرى، فهي لا تقوم بنسخها أو تكرّرها ببساطة، بل تضمّ الجديد إلى "أسلوبها الخاصّ". وهذا يؤدّي إلى ولادة تركيبة جديدة تعود بالفائدة على الجميع في النهاية، لأن الثقافة التي نشأت فيها هذه المساهمات، تتوصّل لأن تتغذّى بدورها. لهذا السبب، ناشَدتُ الشعوب الأصلية للاهتمام بجذورها وثقافات أسلافها، لكنني أردت أن أوضّح أنه لم يكن "في نيّتي أن أقترح على السكّان الأصليّين تعلّقًا بالهوية مغلقًا بالكامل، خارجًا عن أيّ اعتبار تاريخي، صارمًا، يرفض أيّ نوع من أنواع التمازج"، نظرًا لأن "الهوية الثقافية نفسها تتعمّق وتغتنى بالحوار مع الآخر المختلف، والحفاظ الأصيل عليها ليس عزلة تُفقِر"[129]. ينمو العالم ويمتلئ بجمال جديد بفضل الاختلاطات المتتالية التي تحدث بين الثقافات المنفتحة، خارج أي فرض لأيّ ثقافة.

 

149.من أجل تحفيز علاقة سليمة بين حبّ الوطن والاندماج الودّي في البشرية جمعاء، من الجيّد أن نتذكّر أن المجتمع العالمي ليس نتيجة مجموع البلدان المختلفة، بل هو الشركة نفسها القائمة بينهم، إنه الإدماج المتبادل الذي يسبق ظهور أيّ مجموعة معيّنة. وداخل هذا الترابط الذي تولّده الشركة الشاملة، تندمج كلّ مجموعة بشرية وتجد جمالها فيه. بالتالي، إن كلّ شخص يولد في سياق معيّن يعرف أنه ينتمي إلى عائلة كبرى لا يمكن أن يفهم نفسه بالكامل بدونها.

 

150.باختصار، إن هذه المقاربة تدعو إلى أن نقبل بفرح أنه ليس باستطاعة أيّ شعب أو ثقافة أو شخص الحصول على كلّ شيء من ذاته. الآخرون هم ضروريون بشكل أساسيّ لبناء حياة كاملة. أمّا إدراكنا بمحدوديّتنا وجزئيّتنا، الذي لا يشكّل أبدًا تهديدًا لنا، فيصبح المفتاح الذي من خلاله نحلم ونطوّر مشروعًا مشتركًا. لأن "الإنسان هو الكائن-المحدود الذي ليس له حدود"[130].

 

انطلاقًا مِن منطقتنا

 

151.بفضل التبادل الإقليمي، الذي منه تنفتح أضعف الدول على العالم بأسره، من الممكن ألّا تُضعِف الشموليةُ الخصوصيّات. فالانفتاح المناسب والأصلي على العالم، يفترض القدرة على الانفتاح على "الجار" في أسرة الأمم. وهذا الاندماج الثقافي والاقتصادي والسياسي مع البلدان المجاورة، يجب أن ترافقه عمليةٌ تربويةٌ تعزّز قيمة محبّة القريب، وهو التمرين الأساسيّ الأوّل في سبيل تحقيق اندماج عالميّ سليم.

 

152.في بعض الأحياء الشعبية، لا زالت تُعاش روحُ "الحيّ"، حيث يشعر كلّ واحد بشكل عفويّ بواجب مرافقة ومساعدة الجار. في هذه الأماكن التي تحافِظ على هذه القيم الجماعيّة، تُبنى العلاقات مع الجار بمجّانيةٍ، وتضامنٍ ومبادلة، انطلاقًا من إحساسٍ يَجمَع الحيَّ بنوع من "نحن"[131]. عسى أن يُعاش ذلك أيضًا بين البلدان المجاورة، فتَستطيع بناء تقارب ودّي بين شعوبها. لكن الرؤى ذوات النزعة الفرديّة تُتَرجَم في علاقات بين البلدان. الخطرُ هو أن ننقل إلى علاقاتنا مع شعوب المنطقة ما نعيشه ونحن نحمي أنفسنا من بعضنا البعض وننظر إلى الآخرين على أنهم منافسين أو أعداء خطرين. ربّما نشأنا في هذا الخوف وفي انعدام الثقة.

 

153.هناك دول قويّة وشركات كبيرة تستفيد من هذه العزلة وتفضّل التفاوض مع كلّ دولة على حدة. وعلى العكس من ذلك، بالنسبة للبلدان الصغيرة أو الفقيرة، تنفتح إمكانيّة التوصّل إلى اتّفاقيات إقليمية مع جيرانها، مما يتيح لها الفرصة للتفاوض ككتلة واحدة فتتجنّب أن تصبح أجزاء هامشية تعتمد على القوى العظمى. لا توجد اليوم دولة قوميّة منعزلة قادرة على تأمين الخير العام لسكّانها.

 

الفصل الخامس

 

السياسة الأفضل

 

154.حتى نتمكّن من تطوير مجتمع عالمي، قادر على تحقيق الأخوّة انطلاقًا من الشعوب والدول التي تعيش صداقة اجتماعية، فإننا بحاجة إلى السياسة الأفضل التي هي في خدمة الخير العام الحقيقي. لأن السياسة تتخّذ اليوم للأسف أشكالًا تعيق المسيرة نحو عالم مختلف.

 

الشعبوية والليبرالية

 

155.قد يتخفّى ازدراءُ الضعفاء تحت أشكال شعبوية، تستخدمهم بشكل ديماغوجي من أجل غاياتها، أو بشكل ليبرالي في خدمة مصالح الأقوياء الاقتصادية. في كلتا الحالتين، من الصعب التفكير في عالم منفتح لديه المتسع للجميع، ويشمل الأضعف ويحترم مختلف الثقافات.

 

شعبي أو شعبوي

 

156.لقد غزت في السنوات الأخيرة كلمةُ "شعبوية" أو "شعبوي" وسائلَ الإعلام واللغة بشكل عام. إنها تفقد بهذه الطريقة القيمةَ التي قد تتضمّنها وتصبح أحد أقطاب المجتمع المنقسم. ووصل هذا إلى حدّ استلزام تصنيف جميع الأشخاص والمجموعات والمجتمعات والحكومات انطلاقًا من انقسام ثنائي: "شعبوي" أو "غير شعبوي". ولم يعد من الممكن لأيّ شخص أن يبدي رأيه حول أي موضوع دون استلزام تصنيفه في أحد هذين القطبين، وأحيانًا بهدف التشهير به ظلمًا أو الإفراط في تمجيده.

 

157.إن استلزام إقامة الشعبوية مفتاحًا لقراءة الواقع الاجتماعي تشمل ضعفًا آخر: فهي تتجاهل شرعية مفهوم "الشعب". وقد تؤدّي محاولة إزالة هذه الفئة من اللغة، إلى القضاء على نفس كلمة الديمقراطية (أي "حكم الشعب"). ومع ذلك، المجتمع هو أكثر من مجرّد مجموع الأفراد، وإذا أردنا التأكيد عليه فإنّ كلمة "شعب" ضرورية. والحقيقة أنّ هناك ظواهر اجتماعية تنظّم الأغلبية، وأنّ هناك نزعات-ضخمة، وتطلّعات جماعيّة. يمكننا أيضًا التفكير في أهداف مشتركة، تتخطّى الاختلافات، في سبيل تحقيق مشروع مشترك. أخيرًا، من الصعب جدًا التحضير لشيء كبير على المدى الطويل إذا لم يتحوّل إلى حلم جماعي. وما يعبّر عن كلّ هذا إنما هو الاسم "شعب" والصفة "شعبي". وإذا لم نأخذهما في عين الاعتبار –بالإضافة إلى نقد قويّ للديماغوجية- فسوف نتخلّى عن جانب أساسيّ من الواقع الاجتماعي.

 

158.هناك في الواقع سوء فهم: "الشعب ليس فئة من فئات المنطق، ولا فئة روحانية، إذا فهمنا ذلك بمعنى أن كلّ ما يفعله الشعب هو جيّد، أو بمعنى أن الشعب هو فئة ملائكية. كلا، بل هو فئة أسطورية... عندما تشرح ما هو الشعب، تستخدم الفئات المنطقية لأنه عليك شرحه: هي بالطبع ضرورية. ولكنك لا تفسر بهذه الطريقة الشعورَ بالانتماء إلى الشعب. لكلمة "شعب" معنى آخر لا يمكن تفسيره منطقيًّا. الانتماء إلى شعبٍ ما هو الانتماء إلى هويّة مشتركة، تتكوّن من روابط اجتماعية وثقافية. وهذه ليست تلقائية، بل على العكس تمامًا: إنها عمليّة بطيئة وصعبة ... نحو مشروع مشترك"[132].

 

159.هناك قادة شعبيون قادرون على تفسير حسّ الشعب وديناميكيّته الثقافية، وأهمّ توجّهات المجتمع. وتستطيع الخدمة التي يقدّمونها، إذ يقومون بتجميع الشعب وتوجيهه، أن تكون الأساس لمشروعٍ دائم من التحوّل والنموّ، يتضمّن أيضًا القدرة على التنحّي للآخرين من أجل الخير العام. ثم ينجرف نحو شعبوية غير سليمة عندما يتحوّل إلى قدرة شخص ما على جذب اهتمام الناس بهدف استغلال ثقافتهم سياسيًا، تحت أيّ شعار أيديولوجي، في خدمة مشروعه الشخصي واستمراره في السلطة. ويسعى مرّات أخرى إلى زيادة شعبيته من خلال تأجيج الميول المنحطّة والأنانية لبعض قطاعات السكّان. وهذا يتفاقم عندما يصبح، بأشكال فاضحة أو خفية، إخضاعًا للمؤسّسات وللشرعية.

 

160.إن المجموعات الشعبوية المغلقة تشوّه كلمة "شعب"، لأن ما يتكلّمون عنه ليس شعبًا بكلّ معنى الكلمة. أمّا فئة "الشعب" فهي منفتحة. الشعب الحيّ والديناميكي والذي له مستقبل، هو المنفتح باستمرار على تركيبات جديدة تشمل الآخر المختلف، ولا يكون ذلك منكرًا ذاته، إنما باستعداده لأن يتحرّك ويسأل ويتوسّع ويغتني من قِبَلِ الآخرين، وبهذه الطريقة يستطيع أن يتطوّر.

 

161.هناك شكل آخر يعبّر عن انحطاط القيادة الشعبية ألا وهو السعي إلى الربح الفوري. تُستجاب المطالب الشعبية من أجل ضمان الأصوات أو المساندة، ولكن دون التقدّم في عمل دؤوب ومستمرّ يقدّم للناس الموارد لتنميتهم الخاصّة، حتى يتمكّنوا من مساندة حياتهم بجهدهم وإبداعهم. وفي هذا النحو، قلت بوضوح إني "لا أفكر البتّة في طرح شعبوية لامسؤولة"[133]. فمن ناحية، التغلّب على عدم المساواة يتطلّب التنمية الاقتصادية، والاستفادة من إمكانيات كلِّ منطقة، وبالتالي ضمان العدالة المستدامة[134]. ومن ناحية أخرى، "برامج المساعدة، التي تعالج بعض الحالات الطارئة، يجب أن تُعتبر حلولًا مؤقّتة وحسب"[135].

 

162.القضية الكبرى هي العمل. ما هو شعبيّ حقًا -لأنه يعزّز خير الشعب- إنما هو أن تُضمَنَ للجميع إمكانيةُ تنمية البذور التي زرعها الله في كلّ شخص، وقدراته، ومبادرته، وقوّته. هذه أفضل مساعدة نقدّمها للفقراء، وأفضل سبيل لحياة كريمة. لذلك أُصِرّ على أنه "يجب أن تبقى مساعدة الفقراء بالمال علاجًا مؤقّتا لمواجهة الحالات الطارئة. فالمقصدُ الحقيقي هو السماح لهم بأن يعيشوا بكرامة عن طريق العمل"[136]. لا تستطيع السياسة، مهما تغيّرت آليات الإنتاج، أن تتخلّى عن هدف التأكّد من أن تنظيم المجتمع يضمن لكلّ شخص طريقةً للمساهمة بقدراته وجهوده. لأنه "لا يوجد فقر أسوأ من الحرمان من العمل وكرامة العمل"[137]. يُعَدُّ العمل في مجتمع متطوّر حقًا، بُعدًا أساسيًا في الحياة الاجتماعية، لأنه ليس فقط طريقةٌ لكسب لقمة العيش، إنما أيضًا سبيلٌ للتنمية الشخصية، وإقامة علاقات سليمة، والتعبير عن الذات، والمشاركة بالمواهب، والشعور بالمسؤولية المشتركة في إنماء العالم، وفي النهاية للعيش كشعب.

 

قيم الرؤى الليبرالية ومحدوديتها

 

163.إنّ فئة "الشعب"، التي تتضمّن تقييمًا إيجابيًا للعلاقات المجتمعية والثقافية، غالبًا ما تُرفَض من قِبَلِ الرؤى الليبرالية ذات النزعة الفردية، حيث يُعدُّ المجتمع بمنزلة مجموعٍ بسيط من المصالح المتعايشة. فهم يتحدّثون عن احترام الحرّيات، ولكن بدون جذور ثقافة جماعية. وفي سياقات معيّنة، من الشائع اتّهام جميع الذين يدافعون عن حقوق الأضعف في المجتمع بالشعبوية. وبالنسبة لهذه الرؤى، فإن فئة "شعب" هي أسطورة لشيء غير موجود في الواقع. ومع ذلك، ينشأ هنا استقطاب غير ضروري، لأنه لا فكرة شعب ولا فكرة قريب هي فئات أسطورية أو رومانسية خالصة تستبِعد أو تحتقِر التنظيم الاجتماعي والعلم ومؤسّسات المجتمع المدني[138].

 

164.أمّا المحبةُ فتَجمَع بين البُعدَين -الأسطوري والمؤسّسي- لأنها تتضمّن مسيرة فعّالة لتغيير التاريخ الذي يتطلّب شملَ كلّ شيء: المؤسّسات، والقانون، والتقنية، والخبرة، والمساهمات المهنية، والتحاليل العلمية، والإجراءات الإدارية، وغيرها. لأنه "لا توجد في الواقع حياة خاصّة إذا لم تكن محميّة بالنظام العام؛ والبيت الدافئ لا يتمتّع بالخصوصية إذا لم يكن تحت وصاية الشرعية، وفي حالة من الطمأنينة تقوم على القانون والقوّة ومع حدّ أدنى من الرفاهية التي يضمّنها توزيع العمل، والتبادلات التجارية، والعدالة الاجتماعية، والمواطنة السياسية"[139].

 

165.إن المحبّة الحقيقية قادرة على شمل كلّ هذا في تفانيها، وإذا كان عليها أن تعبّر عن نفسها في لقاء شخصّي، فهي قادرة أيضًا على بلوغ أختٍ أو أخٍ بعيد أو حتى متجاهَل، عبر مختلف الموارد التي تقدر أن تخلقها مؤسّسات مجتمع منظّم، حرّ وخلّاق. من وجهة النظر هذه، حتى السامري الصالح احتاج إلى وجود نزلٍ يسمح له بتأمين ما لم يكن يستطيع ضمانه وحده في ذلك الوقت. محبّة القريب هي واقعية ولا تبدّد أيّ شيء ضروري من أجل تحويل التاريخ لصالح الأخيرين. خلاف ذلك، هناك أحيانًا إيديولوجيات يسارية أو مذاهب اجتماعية، إلى جانب عادات فرديّة وإجراءات غير فعّالة، لا تصل إلّا إلى القليل من الأشخاص. بينما تُرِكَ الكثيرون تحت رحمة حسن نيّة البعض. هذا يدلّ على ضرورة، ليس فقط تشجيع روحانية الأخوّة، إنما أيضًا تنظيم عالمي أكثر كفاءة من أجل المساعدة في حلّ المشاكل الملحّة، مشاكل الأشخاص المتروكين الذين يعانون ويموتون في البلدان الفقيرة. وهذا بدوره يعني أنه لا يوجد مخرج واحد ممكن، ومنهجيّة واحدة مقبولة، ووَصفَة اقتصادية يقدر أن يطبّقها الجميع بالتساوي، وهذا يفترض مسبقًا أنه حتى أكثر العلوم صرامة يمكنها اقتراح مسارات مختلفة.

 

166.كلّ هذا قد يفتقر جدًّا إلى القوام، إذا فقدنا القدرة على الاعتراف بأن هناك حاجة إلى تحوّلٍ داخل قلوب البشر وعاداتهم وأنماط حياتهم. هذا ما يحدث عندما تستمرّ حملات الدعاية السياسية ووسائل الإعلام وصانعي الرأي العام، في تعزيز ثقافة فرديّة وساذجة، إزاء المصالح الاقتصادية العشوائية وتنظيم المجتمعات في خدمة الذين يتمتّعون بسلطة كبيرة. لذلك، فإن انتقادي للنموذج التكنوقراطي لا يعني أننا بمجرّد محاولة التحكّم في تجاوزاته يمكننا أن نكون بأمان، لأن الخطر الأكبر لا يكمن في الأشياء، أو في الحقائق المادّية، أو في المنظمات، ولكن في الطريقة التي يستخدمها الناسُ فيها. المسألة هي ضعف الإنسان، والميل الدائم إلى الأنانية التي هي جزء مما يسمّيه التقليد المسيحي "الشهوة": ميل الإنسان إلى الانغلاق على جوهر كيانه "الأنا"، وعلى جماعته، ومصالحه السخيفة. هذه الشهوة ليست عيب هذا العصر. فقد وُجِدَت منذ أن كان الإنسان إنسانًا ولكنها تتحوّل ببساطة، وتكتسب طرائق مختلفة في كلّ قرن، وأخيرًا تستخدم الأدوات التي تضعها اللحظة التاريخية تحت تصرّفها. لكن من الممكن السيطرة عليها بعون الله.

 

167.إن المهمّة التربوية، وتطوير العادات التضامنية، والقدرة على التفكير في حياة الإنسان بشكل أكثر تكاملًا، والعمق الروحي، هي ضرورية لإضافة الجودة على العلاقات الإنسانية، بحيث يكون المجتمع نفسه هو الذي يتفاعل إزاء أوجه الظلم فيه، والانحرافات والانتهاكات التي ترتكبها القوى الاقتصادية أو التكنولوجية أو السياسية أو الإعلامية. هناك رؤى ليبرالية تتجاهل عامل الضعف البشري هذا، وتتخيّل عالمًا يستجيب لنظام معيّن يمكنه بحدّ ذاته ضمان المستقبل وحلّ جميع المشاكل.

 

168.لا يحلّ السوقُ وحده كلّ شيء، على الرغم من أنهم يريدوننا مرّة أخرى أن نصدّق عقيدة الإيمان النيوليبرالي هذه. إنه تفكير ركيك ومتكرّر، يقترح دائمًا الوصفات نفسها إزاء أيّ تحدٍّ ينشأ. فالنيوليبرالية تعيد استنساخ ذاتها فحسب، وتلجأ إلى نظرية "توزيع الفيض" أو "التقطير" السحريّة -دون أن تسمّيها- باعتبارها الطريقة الوحيدة لحلّ المشاكل الاجتماعية. ولا تلاحظ أن توزيع الفيض المزعوم لا يحلّ مشكلة عدم المساواة، بل هو مصدر لأشكال جديدة من العنف تهدّد النسيج الاجتماعي. فمن ناحية، من الضروريّ اتّباع سياسة اقتصادية نشطة تهدف إلى "تعزيز اقتصادٍ يشجّعُ الإنتاج المتنوّع والإبداع التصنيعي"[140]، بحيث يمكن زيادة فرص العمل بدل من الحدّ منها. أمّا المضاربات المالية التي تهدف بشكل أساسيّ إلى الربح السهل ما زالت تواصل مجزرتها. علاوة على ذلك، "دون أشكالِ التضامنِ الداخلي والثقةِ المتبادلة لا يمكن للسوقِ إكمالُ تنفيذِ مهمَّتِه الاقتصادية. هذه الثقة قد فُقِدَت في أيّامنا"[141]. لم تنتهِ القصّة على هذا الشكل، وأظهرت الوصفات العقائدية للنظرية الاقتصادية السائدة أنها ليست معصومة عن الخطأ. وقد أظهرت ضعف النظم العالمية إزاء الجائحة أن حرّية السوق لا تحلّ كلّ شيء وأنه بالإضافة إلى إعادة تأهيل سياسة سليمة لا تخضع لإملاءات التمويل، "علينا أن نعيد وضع كرامة الإنسان في المحور وأن نبني على تلك الركيزة الهيكليات الاجتماعية البديلة التي نحتاجها"[142].

 

169.يبدو أنه لا يوجد فسحة، في بعض الرؤى الاقتصادية المغلقة والأحادية اللون، على سبيل المثال، للحركات الشعبية التي تجمع العاطلين عن العمل، والعاملين غير المستقرين، وعمّال القطاع غير المنظم، وآخرين كثيرين الذين لا يتناسبون بسهولة مع الإمكا