العقار والمشاعات في جبل لبنان ولبنان

العقار والمشاعات في جبل لبنان ولبنان
الثلاثاء 27 أكتوبر, 2026

تأتي هذه الدراسة في ظل ما يُتداول أخيراً بشأن تسجيل بعض المشاعات والملكيات، حيث تسعى إلى بيان أن للعقار في لبنان وظيفة تتجاوز مجرد الاستعمال والاستغلال والتصرف، ليشكل أيضاً عنصراً أساسياً في حفظ الوجود التاريخي للمجتمعات المحلية واستقرارها، مع عرض للنصوص القانونية ذات الصلة والتعليل القانوني الذي يمكن الاستناد إليه عند مناقشة هذه المسائل.

العقار والمشاعات في جبل لبنان ولبنان

تُظهر النصوص التاريخية والقانونية أنّ الملكية العقارية في لبنان، ولا سيّما في جبل لبنان، ليست مجرّد حق مالي يخول صاحبه الاستعمال والاستغلال والتصرّف، بل تمثل مؤسسة قانونية واجتماعية ارتبطت تاريخياً ببنية المجتمع اللبناني واستقراره. فقد أبقى قانون الملكية العقارية جزءاً من عقارات جبل لبنان التاريخي خاضعاً للعرف والعوائد المحلية، كما رسخت أنظمة التحديد والتحرير والسجل العقاري الحقوق التاريخية والعرفية وأضفت عليها الحجية القانونية. وبذلك لم تعد الأرض مجرد مورد اقتصادي، بل أصبحت وحدة قانونية تحمل بعداً اجتماعياً وسياسياً وثقافياً طويل الأمد.

ومن هنا، يمكن استخلاص أن للعقار في لبنان وظيفة رابعة، تضاف إلى وظائفه التقليدية المتمثلة بالاستعمال والاستغلال والتصرف، وهي تثبيت الوجود التاريخي للجماعات المحلية والمكونات اللبنانية في مناطقها، بما يسهم في تحقيق الاستقرار الأهلي والتوازن الاجتماعي. وعلى هذا الأساس، فإن تحويل المشاعات ذات الطابع الأهلي أو البلدي أو العرفي إلى ملكية الدولة المركزية قد يؤدي إلى إفراغها من وظيفتها التاريخية، ويحوّل الجماعة المحلية من صاحبة حق أصيل إلى مجرد منتفعة بقرار إداري.

التحليل القانوني والتاريخي:

يفرق القرار رقم 3339 تاريخ 12 تشرين الثاني 1930 (قانون الملكية العقارية) بين العقارات الملك، والأميرية، والمتروكة المرفقة، والمتروكة المحمية، والخالية المباحة، إلا أنه يولي خصوصية لعقارات حكومة جبل لبنان السابقة، إذ يبقيها، في الحدود التي نص عليها القانون، خاضعة للعرف والعوائد المحلية. وتكتسب هذه القاعدة أهمية استثنائية لأنها تعكس اعتراف المشرّع بأن بعض الأوضاع العقارية التاريخية لا يمكن إخضاعها بصورة كاملة للقواعد العامة التي تحكم أملاك الدولة، بل ينبغي تفسيرها في ضوء الأعراف المحلية والحقوق التاريخية المستقرة.

كما أن المواد 236 و255 و256 من قانون الملكية العقارية تمنع اكتساب العقارات المتروكة المرفقة بالإشغال أو بمرور الزمن، الأمر الذي يؤكد أن المشرّع لم يعتبرها أموالاً قابلة للاستيلاء التدريجي، وإنما أموالاً ذات وظيفة جماعية ينبغي الحفاظ عليها لصالح المستفيدين منها وفق نظامها القانوني الخاص.

وفي مرحلة الانتداب الفرنسي، أنشأت القرارات أرقام 186 و188 و189 لسنة 1926 نظام التحديد والتحرير والسجل العقاري، وأعطت للقيود العقارية حجية مطلقة تجاه الغير بعد انتهاء أعمال التحديد والتحرير، مع تثبيت الحقوق القائمة كما هي، بما فيها الحقوق الناشئة عن الأعراف والاستعمالات التاريخية. ولذلك فإن السجل العقاري اللبناني لم يكن مجرد وسيلة لإثبات الملكية، وإنما أداة لحماية الاستقرار القانوني والاجتماعي الذي نشأ عبر قرون.

وتبين الدراسات التاريخية أن المشاعات في متصرفية جبل لبنان كانت تشكل نسبة مرتفعة من الأراضي الزراعية خلال القرن التاسع عشر، ثم تقلصت تدريجياً مع توسع الملكية الفردية خلال مرحلة الانتداب. ولم يكن هذا التحول مجرد تطور اقتصادي، بل أدى إلى إعادة توزيع النفوذ والسلطة داخل المجتمعات المحلية، نظراً إلى أن المشاعات كانت تمثل مورداً اقتصادياً مشتركاً ووسيلة لترسيخ الانتماء إلى القرية.

كما أدت الأوقاف والأملاك الرهبانية والدينية دوراً موازياً، إذ لم تكن مجرد أموال مخصصة للعبادة، وإنما شكلت إطاراً دائماً لتمويل المؤسسات الدينية والتعليمية والخيرية، وأسهمت في تثبيت الوجود التاريخي للمجتمعات المحلية ضمن نطاقها الجغرافي.

ومن ثم، فإن القول إن الملكية العقارية في لبنان تؤدي وظيفة تتصل بحفظ وجود المكونات اللبنانية ليس نصاً حرفياً في أي تشريع، وإنما هو استنتاج قانوني وتاريخي مستخلص من مجمل النظام العقاري اللبناني، ومن الطريقة التي تعامل بها المشرع مع المشاعات والأوقاف والحقوق العرفية والقيود العقارية.

الوظائف التاريخية لأنواع الملكية

تؤدي مشاعات القرى والأهالي في جبل لبنان التاريخي وظيفة تتجاوز الملكية التقليدية، فهي تربط القرية بمواردها الطبيعية وبذاكرتها الجماعية، وتحافظ على العلاقة التاريخية بين السكان والأرض في ظل استمرار الاعتراف القانوني بالأعراف المحلية. ولذلك فإن تحويلها إلى ملكية الدولة يضعف الصفة الجماعية الأصلية لهذه الحقوق، ويحول الجماعة المحلية من مالكة أو صاحبة حق تاريخي إلى مجرد مستفيدة من إدارة الدولة.

أما الأراضي المتروكة المرفقة الواقعة ضمن النطاق البلدي، فهي مخصصة للاستعمال الجماعي المنظم، وتشكل جزءاً من الموارد التي تعتمد عليها البلديات في إدارة شؤونها المحلية. ومن شأن نقلها إلى ملكية الدولة أو تقييد سلطة البلديات عليها من دون سند قانوني واضح أن يؤدي إلى إضعاف اللامركزية الإدارية وإثارة نزاعات حول المرجعية القانونية والإدارية المختصة بإدارتها.

وفيما يتعلق بالأوقاف والأملاك الدينية، فإن وظيفتها لا تقتصر على ملكية العقار، بل تمتد إلى ضمان استمرارية المؤسسات الدينية والتعليمية والاجتماعية، وتجسيد الحضور التاريخي للمجتمعات المحلية في المكان. ومن ثم فإن إفراغها من مضمونها أو تغيير طبيعتها القانونية قد يؤدي إلى المساس بالدور الاجتماعي الذي أنشئت من أجله.

دلالة القيد العقاري

إن القيد الأول في السجل العقاري ليس مجرد إجراء إداري أو تقني، وإنما يمثل تثبيتاً نهائياً لحق عيني يتمتع بالحجية تجاه الجميع. ولذلك فإن تحديد اسم المالك الأول، ولا سيما بالنسبة إلى المشاعات، يرتب آثاراً قانونية واجتماعية تمتد لعقود وربما لقرون، الأمر الذي يفرض أعلى درجات التدقيق قبل إجراء أي قيد باسم الدولة إذا كانت هناك حقوق جماعية أو أعراف أو مستندات تاريخية أو استعمالات مستقرة يمكن أن تثبت خلاف ذلك.

ومن هذا المنطلق، فإن العلاقة بين الملكية والوجود الاجتماعي تتخذ مساراً واضحاً؛ فالعقار يؤدي أولاً وظيفة الاستعمال والاستغلال والتصرف، لكنه يرتبط أيضاً بذاكرة القرية والعرف المحلي، وبالبلدية أو الجماعة الأهلية، وبالوقف أو المؤسسة الدينية، الأمر الذي يفضي إلى تحقيق الاستقرار الاجتماعي والتوازن المحلي والتمثيل الجماعي. أما إذا قُيّد العقار ابتداءً باسم الدولة من دون التحقق الكافي من أصل الحق، فإن ذلك قد يؤدي إلى إضعاف الحق الجماعي، وفتح الباب أمام النزاعات، وإضعاف الثقة بالنظام العقاري.

سياسات الحماية المقترحة

تقتضي حماية النظام العقاري اللبناني اعتماد ثلاث قواعد أساسية.

أولاً، إقرار قرينة قانونية وإدارية لمصلحة الصفة البلدية أو الأهلية أو العرفية للمشاعات كلما وجدت أعراف ثابتة أو مستندات تاريخية أو قيود قديمة أو استعمالات جماعية متواصلة.

ثانياً، الامتناع عن إجراء أي قيد أول أو نقل ملكية إلى الدولة قبل استكمال التحقيق القانوني وسماع البلديات والأهالي والجهات الوقفية والاطلاع على سجلات الطابو ومحاضر التحديد والتحرير وجميع المستندات التاريخية ذات الصلة.

ثالثاً، استكمال رقمنة وربط السجل العقاري وخرائط المساحة وملفات البلديات والأوقاف ضمن قاعدة بيانات موحدة تتيح التحقق من الحقوق التاريخية، لأن ضعف التوثيق هو أحد أبرز أسباب النزاعات العقارية.

وتنسجم هذه المبادئ مع المادة الخامسة عشرة من الدستور اللبناني التي تحمي الملكية الخاصة، كما تنسجم مع النظام القانوني للمشاعات البلدية، ومع فلسفة التشريع العقاري اللبناني التي قامت على تثبيت الحقوق التاريخية لا على إلغائها.

المراجع القانونية الأساسية

يرتكز هذا التحليل بصورة رئيسية على القرار رقم 3339/1930 (قانون الملكية العقارية)، ولا سيما المواد 5 إلى 11، والمواد 236 و255 و256، وعلى القرارات 186 و188 و189 لسنة 1926 المتعلقة بالتحديد والتحرير والسجل العقاري، وعلى المادة 15 من الدستور اللبناني، وعلى المرسوم الاشتراعي رقم 118/1977 (قانون البلديات)، بالإضافة إلى التوضيح الصادر عن وزارة المالية بتاريخ 26 شباط 2026 بشأن مشاعات الأهالي والبلديات داخل النطاق البلدي، وإلى الدراسات التاريخية المتعلقة بتطور المشاعات والملكية العقارية في جبل لبنان.

 

فريق العمل في المركز اللبناني للبحوث والدراسات Politica