العبور إلى الاستقلال الثالث - الحلقة 3 - كلمة السيدة سناء الجاك

  • طوني حبيب -
  • ندوات -
  • العبور إلى الاستقلال الثالث - الحلقة 3 - كلمة السيدة سناء الجاك
العبور إلى الاستقلال الثالث - الحلقة 3 - كلمة السيدة سناء الجاك
الثلاثاء 25 أكتوبر, 2022

يفترض أن يوقع لبنان على ورقة ما، رسمية، ولكنها مجهولة التصنيف، أو لنقل إنها ملتبسة بين الوثيقة والاتفاقية والاتفاق والمعاهدة.. والله أعلم.. المهم أن لبنان سيوقع هذه الورقة الرسمية التي يرد فيها اسم إسرائيل وليس فلسطين المحتلة، بهدف ترسيم حدوده البحرية معها، ليتمكن من استخراج ثروته النفطية والغازية.

من هنا تبدأ فصول جديدة من الحكاية. هي لا تتعلق بعملية الترسيم بحد ذاتها، وبمدى التنازلات التي قدمها لبنان، وبخسارته لجزء من ثروته لمصلحة إسرائيل وليس لمصلحة فلسطين المحتلة.

فصول تخطتها مرحلة "انجاز" الترسيم الذي يتفوق في قاموس المتاجرين به على الانتصار الإلهي بعد حرب تموز 2008 وما نكب لبنان به حينذاك، فقد أصبح بإمكان "حزب الله" أن يدعو رسميا بقايا الدولة المهلهلة للانضمام إلى ملكوته بعدما أدخلت مقاومته هذا الشعب إلى نادي الدول النفطية، معلنا الغلبة والاستقواء على الشعب اللبناني.

شروط الانضمام تتوالى تباعا على لسان مسؤولي الحزب. وأولها تقديم فروض الطاعة والتماس الحماية والإقرار بوصاية الاحتلال الإيراني ومندوبه السامي القادر على إغراقنا بالنفط والغاز.

والمرعب هو أن الحزب الذي يفرض علينا غلبته، ويصادر إرادة الشعب اللبناني، لا يحظى بتأييد شبه جامع من هذا الشعب.. وهو لم يحظ بهذا التأييد طوال مسيرته، حتى عندما كان يحتكر مقاومة إسرائيل ويلغي من يفكر بهذا المجد إما بالاغتيال أو بالإقصاء.

وكلنا نعلم أن الحزب لم يتمكن من فرض هذه الإرادة الا بالسلاح والاغتيال والإقصاء وزرع الفتنة وزرع العبوات الناسفة على مفارق الطرق وفي سيارات من كان يناوئ مشاريع مشغله الإيراني، او بكل بساطة من كان يخدم بقتله هذه المشاريع، وتحديدا منذ العام 2005.

وكلنا نعلم أن الحزب لم يكن ليتمكن من فرض هذه الإرادة حتى لدى استخدامه السلاح غير الشرعي في الداخل لو لم يحظ بغطاء أمنه له حليفه ميشال عون وصهره العزيز بموجب اتفاق مار مخايل، ليبدأ تنفيذ مخططات اغتيال الوطن من داخل المؤسسات الدستورية، وعلى حساب الدستور المنتهك قياما وقعودا.

واليوم مع ورقة ترسيم الحدود الملتبسة التصنيف، المشهد يزداد غرابة. فكل ما يحصل لا يستدعي الاحتفال.

ومن خلال التطورات المتلاحقة داخليا، ثمة ما يشي بأن ها الترسيم هو بداية ما، وليس نهاية لمفاوضات أراد العهد القوي أن يصورها شاقة وعسيرة وفيها عرض عضلات وهمي.

والغاية من مصادرة الإنجاز وإلغاء مفعول الانصياع للإرادة الأميركية والفرض الأميركي في تحقيقه، هو، على ما يبدو، تعويم هذا العهد القوي، الذي بدأ الترويج لاستمراره من خلال وضع أسس الترسيم للحدود البحرية مع النظام الأسدي.

فهناك من يعتبر أن التوصل إلى اتفاق الترسيم هو فرصة للتمسك بالسلطة وللتشفي من الخصوم في الوطن وفرض إرادته عليهم في مسألة رئاسة الجمهورية وتشكيل الحكومة، ويدعو حتى لإعادة النظر بالصيغة اللبنانية ودستور البلاد واتفاق الوفاق الوطني في الطائف.

وهناك من يدعم هذا الاعتبار بما فيه ابتزاز لمن يفترض أنهم شركاء في المنظومة، لإبقائنا أسرى ومعتقلين ورهائن هذا العهد القوي، لأن "حزب الله" ومن خلفه إيران لن يجد من ينفذ له أجندته بكل هذا الوفاء والدقة.

مرة جديدة. الترسيم مع التطبيع المقنع للدولة اللبنانية والعدو الصهيوني الغاشم من خلال الشراكة الاقتصادية، هو بداية لأمر ما. الصفقة بخصوصه هي على ما يبدو في طور النضوج تباعا مع تسوية الخطوة خطوة التي تتبعها الولايات المتحدة وإيران على حساب دول المنطقة، ومنها لبنان.

الإملاءات واضحة، وهي تدرج تحت خانة شروط لا تقرر في حارة حريك، بل في طهران، وفي ضوء ما يجري من بحث ونقاش لترتيب المصالح الإيرانيّة سواء لجهة تصاعد الدخان الأبيض من مفاوضات فيينا مع الولايات المتحدة الأميركية، أو لجهة النفوذ المتصاعد أصلا، في كلّ من العراق، وسوريا، ولبنان، والخليج. ترسيم الحدود البحرية بين اسرائيل ولبنان ليس حدثا معزولا، بل متصل بكل قضايا المنطقة، وسينسحب تأثيره على كل الأطراف.

ويبقى السؤال: ماذا بعد التسوية الصفقة؟

كيف سينتقل الترسيم إلى مرحلة التنفيذ؟ فكل ما نشهده، عدا التهليل لهذا "الإنجاز التاريخي" هو تصعيد الخلاف السياسي، وتنامي حقول التعطيل المزروعة بألغام مصالح الأطراف المتصارعة على "تركة الحكم"، مع من يصنف نفسه وريثا شرعيا للرئاسة ومن يعتبر أن دوره قد حان، بعدما أخذ الطرف الآخر فرصته واستنفذها.

أي تنقيب سوف يحصل في ظل دولة مشلولة مؤسساتها، يديرها حزب تديره دولة تفرض إملاءاتها وتتباهى بنفوذها على أربع عواصم عربية؟

من سيعقد الاتفاقات الضرورية للمباشرة في استخراج الثروة النفطية في حال استعصى الوصول إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية؟

حكومة أصيلة أم حكومة تصريف أعمال؟ وهل يمكن التوصل إلى تشكيل حكومة ونيلها ثقة المجلس النيابي خلال أيام؟؟ وإذا لم يتم التشكيل هل يمكن للبنان تحصيل فوائد يفترض أن يفرج عنها الترسيم؟

على ماذا سيحصل حزب الله بعد الترسيم الذي أرسى ضمانات أمنية واستقرارا بين إسرائيل ولبنان بما يضمن استخراج الغاز وأمان الشركات العاملة في الحقول النفطية على ضفتي الحدود المرسمة؟

ماذا سيفعل الحزب بسلاحه بفعل هذا الواقع الجديد؟؟ وبكوادره الأمنية؟؟ وبهيكليته المالية؟؟

ماذا سيعطي الاميركيون للحزب مقابل موافقته على تنازل الدولة اللبنانية عن حقوقها وتساهلها للوصول إلى الورقة الملتبسة التوصيف؟؟

لنستمع إلى الدكتور فارس سعيد.. لعلنا نجد الأجوبة؟؟